الصفحة 145 من 295

وإذا تبين لنا أن المشيئة الإلهية عند أوائل الصوفية تعنى أنه لا شئ يحدث في هذا الكون إلا بأمر الله وقضائه وقدره فإن ثمة سؤال ضرورى بعد ذلك وهو:

كيف يفسر مشايخ الصوفية العلاقة بين المشيئة الإلهية المطلقة وبين الإراده الإنسانية الحادثة ؟

أو كيف يثبتون حرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله في ظل المشيئة الإلهية المطلقة مع عدم التعارض بينهما ؟

حيث أن الممنوع عقلا قيام إرادتين حرتين في الوجود تعملان بلا تصادم أو تعارض أو تناف ، فالمشيئة الإلهية المطلقة معناها أن الله يفعل ما يشاء بلا موانع ولا عوائق وبلا حد أو معارضة أو مخالفة مهما صغرت تعوق التنفيذ أو تبطئة أو تغيير من كيفه أو تقلل من كمه أو تزيد ، إنما يأتى الخلق أو الفعل المراد له في اللحظة التى شاءها الله بالكم والكيف المرادين له سبحانه ، فإذا ما قامت إرادة حرة حادثة لها اختيارها الذاتى وحركتها الحرة ، تبادر للذهن من أول وهلة أن هذه الإرادة الحادثة تشكل حدا يحد من المشيئة الإلهية فيمنع انطلاقها ؟!

ــــــــــــــــــــــــ

1-علم القلوب ص 89 .

هذه فحوى المشكلة التى نبحث عن حلها عند مشايخ الصوفية الأوائل .

وفى هذا الصدد يقول ابن خفيف الشيرازى في معتقد الصوفية الأوائل: ( ويعتقد أنه تعالى فعال لما يريد ، لا ينسب الظلم إليه وأنه يحكم في ملكوته كيف يشاء بلا اعتراض ، ولا مرد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ويعتقد أنه تعالى يقرب من يشاء بغير سبب ، ويبعد من يشاء بغير سبب ، وإرادته في عباده ما هم فيه ، وبرضاه طاعتهم ، والمعصية بمراده لا برضاه ) (1) .

فقد بين في هذا الاعتقاد أن كل شئ بقضاء الله وقدره ، وأنه سبحانه تعالى هو الخالق لأفعال العباد ، فهو يخلق الكافر وأفعاله ويشاؤها ولكن لا يرضاها ولا يحبها فيريدها كونا ولا يرضاها دينا دل على ذلك قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت