الصفحة 151 من 295

فمن شأن أهل اليقين أن تنسلخ نفوسهم من التدبير والاختيار الذى يخالف تدبيره تعالى واختياره ، بل قد سلموا إليه سبحانه وتعالى التدبير كله ، سواء كان تدبيرا بواقع الربوبية في الخلق والإيجاد والإمداد والرزق والمنع والعطاء ، أو كان تدبيرا بواقع معنى العبودية فيما أمر ونهى وفرض وحرم ، فلا يزاحم تدبيرهم ولا اختيارهم اختياره لتيقنهم أنه الملك القاهر القابض على نواصى الخلق المتولى تدبير أمر العالم كله ، وتيقنهم مع ذلك أنه الحكيم في أفعاله الذى لا تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والرحمة ، فلم يدخلوا أنفسهم معه في تدبيره لملكه وتصريفه أمور عباده ولا اعتراضوا عليه أو تسخطوا تدبيره أو تمنوا سواه بل همهم كله في إقامة حقه عليهم (2) .

وبدون الفهم الصحيح للعلاقة بين المشيئة الإلهية المطلقة والإرادة الإنسانية الحادثة والتفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الابتلائية والأمر الكونى والأمر الابتلائى سيكون الأمر غامضا متناقضا ، وبالتفريق ــــــــــــــــــــــــ

1-السابق حـ 1 ص 128 ، 129 .

2-طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم الجوزية ، تحقيق محب الدين الخطيب طبعة المكتبة السلفية ص 216 بتصرف .

بينهما جميعا سيكون الأمر واضحا جليا .

فالأمر الإلهى والإرادة الكونية والمشيئة المطلقة كل ذلك عندهم يعمل في الجانب الجبرى من الإنسان وبقية المخلوقات في الكون .

أما الجانب الاختيارى في الإنسان فإن الإرادة الدينية أو الأمر الإلهى الابتلائى موجه إليه ولا يعنى ذلك أن هناك من يفعل أو هناك ما يحدث في الكون بدون أمر الله الكونى أو بخلاف ما يريد ، فإن فعل الإنسان المخالف لأمر الله الابتلائى التخييرى موافق لأمره الكونى الذى هو قضاؤه وقدره ، وأمره بجعل الإنسانحرا يفعل ما يختار لابتلائه ، هذا الأمر كونى عام وشامل وسابق على الأمر الابتلائى في يوم التقدير وعلم التدبير قبل التكوين في الحكمة الظاهرة (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت