صوت المعذب إلا الإنس والجن ، لأنهما المخلوقان المبتليان على الأرض أما ما عداهما من الأحياء فليسوا واقعين تحت الابتلاء ولم يخلقوا له ومن ثم فهم يعيشون بغير هذا الغطاء الكونى الذى يمنع عن الثقلين معرفة الأمور الغيبية التى تقع في الأرض ، كصراخ المعذبين في القبور وكرؤية الملائكة المحيطة بالإنسان ورؤية الشياطين الملتفة حوله ، لأنه لو حدث ذلك للإنس والجن لآمنوا جميعا ، وما كان هناك فضل منهم ولا مبادرة ولا اجتهاد لمجتهد يستحق عليه الثواب ولما تبين الظالم من المحسن حيث يكون إيمانهم جميعا كنتيجة مباشرة لاطلاعهم على هذه الأمور الغيبية .
ولذلك فإن هذا الغطاء يرفع عن الإنسان بمجرد انتهاء فترة الابتلاء الخاصة بالمخلوق المبتلى فيقال للكافر حين ذاك: { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } (1) .
وعلى ذلك فلا يصح امتحان الإنسان إلا بستار القدرة المطلقة ، حتى يظهر إيمان الإنسان بالغيب أو كفره ، ومن ثم جعل الله فعله غيبيا غيبة عنا بالعلل والأسباب وتوالى النتائج والمعلولات .
ويؤكد المكى على رأى التسترى في إثبات الابتلاء ومعانى الحكمة ـــــــــــــــــــــــ
1-ق / 22 .
فيذكر أن الله عز وجل ذو قدرة وحكمة ، فأظهر أشياء عن وصف القدرة ، وأجرى أشياء عن معانى الحكمة ، فلا يسقط المتوكل ما أثبت من حكمته لأجل ما شهد هو من قدرته .
وذلك من قبل أن الله تعالى حكيم فالحكمة صفته ، ولا يثبت المتوكل الأشياء حاكمة جاعلة نافعة ضارة فيشرك في توحيده .
ومن قبل أن الله قادر والقدرة صفته ، وأنه حاكم جاعل ضار نافع لا شريك له في أسمائة ولاظهير له في أحكامه .
كما قال عز وجل: { إن الحكم إلا لله } (1) .
وقال تعالى: { ولايشرك في حكمه أحدا } (2) .
وكما قال تعالى: { وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير } (3) .