ويذكر أبو سعيد الخراز أن أهل الصدق إذا ملكوا شيئا من الأسباب فهم يعتقدون أن الشئ لله لا لهم وأن الله خولهم فيها ، وهم مبتلون به حتى يقوموا بالحق فيه ، لأن النعمة بلاء حتى يقوم العبد بالشكر فيها ويستعين بها على طاعة الله تعالى ، وكذلك البلوى والضراء هو اختبار وابتلاء حتى يصبر عليه ويقوم بحق الله تعالى فيه .
ــــــــــــــــــــــــ
1-المؤمنون / 55 .
2-أخرجه مسلم في كتاب الزهد ، باب المؤمن أمره كله خير برقم (2999) وأخرجه أحمد في المسند حـ 4 ص 332 ، 333 ، والدرامى في سننه حـ 3 ص 375 ، وابن حبان في كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الصبر وثواب الأمراض برقم (2896) .
ودليله في ذلك قوله تعالى: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } (1) .
والخلاصة أن أن أوائل الصوفية يعتبرون حقيقة العلل وحدوث الأسباب وتعلق معلولاتها بها وجودا وعدما هى مصدر كل ابتلاء .
والناظر في تاريخ الأمم السابقة التى قص علينا القرآن الكريم أخبارها يجد أن الباب الذى دخل فيه الشر على هذه الأمم هو إيمانهم بحتمية العلاقة بين العلة والمعلول كسيف صارم يعلو قدرة الله تعالى فعبادة الكواكب والأفلاك والشمس والقمر أولها الاعتراف بفعلها وكذلك ما كانت الأوثان المعبودة إلا رموزا لفاعليات متعددة لها آثارها في حياة الناس (2) .
وكذلك الأمر بالنسبة للملائكة كعلل غيبية حيث وقع كثير من الأمم في عبادتها من دون الله عز وجل ومنهم العرب قبل الإسلام ، والباب الذى أدى بهم إلى ذلك هو إثباتهم فاعلية مستقلة لهم عن فاعلية الله .
ولا شك أن انتباه الصوفية الأوائل إلى حقيقة العلاقة بين الفاعلية الإلهية وبين الأسباب الطبيعية والبشرية من ناحية ، وإلى معرفة حقيقة ــــــــــــــــــــــــ
1-محمد / 31 وانظر الصدق لأبى سعيد الخراز ص 34 .
2-كشف المحجوب ص 245 .