الصفحة 211 من 295

وهذه المقومات ليست منفصلة عن بعضها إلا في عالم الذهن فقط أما في عالم الواقع والحقيقة فالحرية الإنسانية تتجلى واضحة في الفعل الاختيارى واستجابة العبد للسلوك الخلقى المعين ، فكما علمنا مما سبق أن الاختيار البشرى عند أوائل الصوفية يوجد متلبسا وممتزجا بالاستطاعة ومصاحبا لها في الفعل كذلك العقل والعلم .

فالعقل مقوم أساسى من مقومات الحرية كالإرادة والاستطاعة وحيث أن السلوك الخلقى لا يمكن أن يقوم بدون أحدهما فهو أيضا لا يقوم بدون إدراك صاحبه ووعيه ، لأنه إذا كانت الاستطاعة مرتبطة بالعلل والمعلولات والأسباب والنتائج ، فإنه يلزم أن يكون لديه العلم الضرورى بالأسباب وما تنتجه من مسببات أوبالعلل ونتائجها من ناحية ، وأن يكون لديه المعرفة الضرورية بالأخلاق المحمودة والمذمومة من الأفعال المختارة من ناحية أخرى .

ومن ثم فمقومات الحرية الإنسانية في نفس الإنسان عند أوائل الصوفية إنما هى قوة ذاتية واحدة وإن كانت ذات شعب ثلاث ، وإذا كان أوائل الصوفية أثبتوا اختيارا واستطاعة للإنسان فما موقفهم من العلم ؟

هذا الموقف يتجلى من خلال نظرتهم للغاية من خلق الإنسان ، فكما انبثق الاختيار وظهرت الاستطاعة من معنى الابتلاء والاستخلاف ، كذلك ينبثق العلم عندهم .

فالله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء كلها وفضله على غيره بها إذ سأل الملائكة عنها فأقرت بعجزها ، والتزمت أمر ربها وسجدت لآدم بسببها (1) .

قال تعالى: { وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } (2) .

يقول الترمذى معقبا على تلك الآية:

ــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت