وهذه المقومات ليست منفصلة عن بعضها إلا في عالم الذهن فقط أما في عالم الواقع والحقيقة فالحرية الإنسانية تتجلى واضحة في الفعل الاختيارى واستجابة العبد للسلوك الخلقى المعين ، فكما علمنا مما سبق أن الاختيار البشرى عند أوائل الصوفية يوجد متلبسا وممتزجا بالاستطاعة ومصاحبا لها في الفعل كذلك العقل والعلم .
فالعقل مقوم أساسى من مقومات الحرية كالإرادة والاستطاعة وحيث أن السلوك الخلقى لا يمكن أن يقوم بدون أحدهما فهو أيضا لا يقوم بدون إدراك صاحبه ووعيه ، لأنه إذا كانت الاستطاعة مرتبطة بالعلل والمعلولات والأسباب والنتائج ، فإنه يلزم أن يكون لديه العلم الضرورى بالأسباب وما تنتجه من مسببات أوبالعلل ونتائجها من ناحية ، وأن يكون لديه المعرفة الضرورية بالأخلاق المحمودة والمذمومة من الأفعال المختارة من ناحية أخرى .
ومن ثم فمقومات الحرية الإنسانية في نفس الإنسان عند أوائل الصوفية إنما هى قوة ذاتية واحدة وإن كانت ذات شعب ثلاث ، وإذا كان أوائل الصوفية أثبتوا اختيارا واستطاعة للإنسان فما موقفهم من العلم ؟
هذا الموقف يتجلى من خلال نظرتهم للغاية من خلق الإنسان ، فكما انبثق الاختيار وظهرت الاستطاعة من معنى الابتلاء والاستخلاف ، كذلك ينبثق العلم عندهم .
فالله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء كلها وفضله على غيره بها إذ سأل الملائكة عنها فأقرت بعجزها ، والتزمت أمر ربها وسجدت لآدم بسببها (1) .
قال تعالى: { وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } (2) .
يقول الترمذى معقبا على تلك الآية:
ــــــــــــــــــــــــ