فالمجنون فقد عقله فلا يميز بين الأشياء أو أسمائها ، كما أن النائم مسلوب العقل والإرادة حال النوم ، أما الصبى فعلمه محدود وعقله لا يستوعب الأسماء دفعة واحدة كما علمها الله لآدم عليه السلام أو لعيسى بن مريم حين خرج من بطن أمه ، وإنما يستوعب الأسماء ومدلولاتها على مدار الفترة الزمنية بين ولادته وسن بلوغه الرشد .
يقول المحاسبى: ( فالعقل الذى منحنا الله قادرا على التفكير وعلى معرفة ما أنزل الله وكل إنسان بلغ سن الرشد فقد تحمل مسئولية ناتجة من أنه عاقل ) (2) .
وقال في موضع آخر من كتابه ماهية العقل:
( والله لا يهلك قوما إلا ويذكرهم ويخاطب عقلهم بما يفهم من عبر ، وإذا كان الله قد من علينا بالعقل فلكى ــــــــــــــــــــــــ
1-أخرجه أبو داود في كتاب الحدود ، باب في المجنون يسرق أو يصب حدا برقم (4401) والنسائى عن عائشة في كتاب الطلاق ، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج حـ 6 ص 156 وابن ماجه عن عائشة في كتاب الطلاق ، باب طلاق المعتوه والنائم والصغير برقم (2041) وأحمد في المسند حـ 6 ص 144 والحاكم في المستدرك حـ 2 ص 59 .
2-ماهية العقل ص 105 .
يخاطبنا بواسطته ) (1) .
وإذا كان مجال العقل في الدنيا هو عالم الشهادة ، والعمل في فهم السنن والنواميس الموضوعة بحيث يتمكن منها ويسيطر عليها ويقوى أفعاله بها ويزيد من قدرته واستطاعته ، فإن أوائل الصوفية ربطوا العقل بزيادة المعرفة بالله والنظر خلف الأسباب لإظهار قدرته على تسييرها ليزدادوا بذلك إيمانا ، فالعلوم الدنيوية طلبها عندهم لا لذاتها ولكن للتقوى بها على طاعة الله .