( التوحيد هو أن يكون العبد شبحا بين يدى الله ، تجرى عليه تصاريف تدبيره ، في مجارى أحكام قدرته في لجج بحار توحيده بالفناء عن نفسه وعن دعوى الخلق له ) (1) .
وهذا الفناء ليس فناء ذات العبد في ذات الله فقد ثبت عنه فيما سبق النفى القاطع لهذا المفهوم (2) وإنما يقصد فناء إرادة الصوفية في إرادة الله الشرعية بالطاعة التامة له ، وفناء شعور العبد بأى باستطاعة أو قوة أو حول ذاتى له ، لتيقنه أن كل الحول والقوة لله عز وجل وحده ثم صدور السلوك من العبد موافقا لهذا اليقين ونابعا منه ومبينا عليه .
هذا هو لب التوحيد عند الجنيد وأغلب الأوائل من مشايخ الصوفية الذين تمسكوا بالكتاب والسنة .
غير أن التوحيد عند الصوفية يتميز عن مفهوم التوحيد عند المتكلمين والفلاسفة بشرط هام وضعهوه لأنفسهم ، وهو الاستجابة السلوكية الموافقة له علاوة على عدم مخالفته لأصول الإيمان في الكتاب والسنة .
لقد كان تأكيد الجنيد على ضرورة القول بخلق الله عز وجل وفعله لكل شئ حتى معاصى العباد كتاكيده هو وأغلب الصوفية في عصره ــــــــــــــــــــــــ
1-السابق حـ1 ص 40 .
2-انظر ص 106 .
بإفراد الله بالأزلية سواء بسواء ، فيعرف الموحد بأنه ما لم يشرك مع الله أحدا في تدبيره وحكمه وعلمه وأمره وقضائه وخلقه ورزقه وعطائه ومنعه كما قال تعالى تهديدا لمن أشرك معه غيره فيما له: { واعلموا أن الله برئ من المشركين ورسولُه } (1) .
ويقول: ( من أشرك مع الله فيما لله غير الله فالله ورسوله بريئان منه ) (2) .
وهكذا جعل الجنيد إفراد الله عز وجل بالخلق وشمول التدبير أصلا من أصول التوحيد تؤدى مخالفته إلى الشرك ، سواء كان ذلك شركا جليا أو خفيا إلا أنه عقب على القول السابق بما يدل على أن خفاءه دقيق يلزم منه الاحتياط والتمييز في القول والفعل فأورد حديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى قال فيه: