الصفحة 79 من 295

وربما كان ما يحصل من السابق أكثر مما يحصله من اللاحق كما قال تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات وا لأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } (1) .

مما تقدم نصل إلى أن الصوفية قد استطاعوا بحسب الاعتقاد الذى أسسوا عليه مفهوم التوحيد إرساء الأسس الفكرية الحقيقية التى يمكن أن يقوم عليها مفهوم الربوبية والفاعلية الإلهية خالصة من كل قيد رافضين أدنى ضرورة على فعله سبحانه وتعالى ، فأكدوا بذلك على طلاقة المشيئة والفاعلية الإلهية إذ أنها الأصل الذى ينبنى عليه مفهوم القضاء والقدر في الإسلام .

ولاشك أن ذلك سيكون له أثره الواضح في وصول هؤلاء الشيوخ إلى التصور الصحيح للقضاء والقدر واتخاذ الموقف الصحيح إيزاءه .

ــــــــــــــــــــــــ

1-آل عمران 190 / 191 .

*** المبحث الرابع ***

مراتب الإيمان بالقدر عند مشايخ الصوفية

سبق في المبحث الثالث أن الصوفية يؤسسون مفهوم القدر على صفات الله المطلقة وإفراده بالربوبية والخلق والتدبير , وفى هذا المطلب يدور البحث حول المراتب المتدرجة التى بها يكون السبيل لظهور الأشياء أو العالم إلى الوجود .

وهنا نجد أن أوائل الصوفية سلكوا طريقا يعتمد على الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية إيزاء هذه القضية ، فالشيخ الكبير سهل بن عبد الله التسترى يقرر في مراتب الإيمان بالقدر أنها تبدأ بالعلم ثم الكتاب ثم القضاء والقدر،ولا يخرج الخلق من القدر ، والعلم الأصل لا يخرج منه أحد ، والكتاب فيه يمحو ما يشاء ويثبت ، والقضاء هو الحكم الذى يثبت ، والقدر إظهاره في الخلق (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت