فعلم الله المحيط بالمخلوقات ومشيئته الكلية للموجودات هى الكن الأعظم وإرادته وقدرته بالنسبة للشئ الجزئى هى الكن المفصلة للشئ المظهرة إياه في الوجود المحققة له في العيان .
وعلاوة على أن هذه الفكرة كانت أساسا للتفريق بين فاعلية الله عز وجل وأثار هذه الفاعلية أى المخلوقات ، فإنها تعتبر في نفس الوقت حلا ناجحا للمشكلة العويصة التى نحن بصددها وهى كيفية نزول الأمر الإلهى القديم ثم تحققه في الواقع الحادث ؟
وذلك لأن حدوث الشئ أو نفاذ الحدث في الكون ليس بمقتضى مشيئة أولى للإله ثم بمقتضى الأسباب بعد ذلك وإنما هو بمقتضى إرادة إلهية خاصة لكل حدث أو لكل شئ في الكون ، فكل شى وكل حدث من فعل الله عز وجل ومن خلقه وليس للأسباب أو الاستطاعات المخلوقة أى دور في الخلق والإحداث سوى أنها أدوات للقدرة الإلهية وهذا ما جعل مفهوم التوحيد عند أوائل الصوفية مفهوما راسخا يعبر عن العقيدة الاسلامية في القضاء والقدر (1) .
وقد تقدم في المبحث السابق قول الجنيد: ( التوحيد هو اليقين وهو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل الله عز وجل وحده لا شريك فإذا فعلت ذلك فقد وحدته ) (2) .
ولقد عبر التسترى بتفصيله السابق في انتقال المقادير من الغيب إلى الشهادة عند عقيدة القرآن والسنة فالكن الأعظم في مفهوم التسترى تعبر عن علم الله ومشيئته في تقدير أمر المخلوقات ، وهو ما دون في اللوح المحفوظ من نوعى التقدير الأزلى والميثاقى .
قال تعالى: { ألم تر أن الله يعلم ما في السموات والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير } (3) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-من التراث الصوفى للدكتور كمال جعفر ص 258 بتصرف .
2-انظر ص 119 .
3-الحج / 70 .
وقال تعالى: { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا فىكتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم } (1) .