والإرسال قد تبعث عليه أمور لا تضيره ، مثل أن يكون الرجل سمع ذلك الخبر من جماعة عن المعزي إليه الخبر وصح عنده ووقر في نفسه ، فأرسله عن ذلك المعزي إليه علما بصحة ما أرسله ، وقد يكون المرسل للحديث نسي من حدثه به ، وعرف المعزي إليه الحديث ، فذكره عنه ، فهذا أيضا لا يضر إذا كان أصل مذهبه أن لا يأخذ إلا عن ثقة كمالك وشعبة ، أو تكون مذاكرة ، فربما ثقل معها الإسناد وخف الإرسال ، إما لمعرفة المخاطبين بذلك الحديث ، واشتهاره عندهم ، أو لغير ذلك من الأسباب ، والأصل في هذا الباب اعتبار حال المحدث ، فإن كان لا يأخذ إلا عن ثقة وهو في نفسه ثقة وجب قبول حديثه مرسله ومسنده ، وإن كان يأخذ عن الضعفاء ويسامح نفسه في ذلك وجب التوقف عما أرسله حتى يسمي من الذي أخبره به .
قال ابن عبد البر: وعلى قولهم:"بلفظ لا يقتضي تصريحا بالسماع"فما سلم من التدليس أحد لا مالك ولا غيره ، وهذا قول مردود كما تقدم قريبا .
ثم اعلم أن هؤلاء المدلسين الذين ستسمع تراجمهم _ إن شاء الله _ ليسوا على حد واحد بحيث تتوقف في كل ما قال فيه كل واحد منهم"عن"أو"أن"أو"قال"أو بغير أداة ولم يصرح بالسماع ، بل هم على خمس طبقات:
أولها: من لم يوصف بذلك إلا نادرا جدا بحيث إنه ينبغي أن لا يعد فيهم كيحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة وابن عقبة .