وهذا كله في تدليس الراوي ما لم يتحمله أصلا بطريق ، فأما تدليس الإجازة والمناولة والوجادة بإطلاق"أخبرنا"فلم يعده أئمة هذا الفن في هذا الباب ، كما قيل في رواية أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب ، ورواية مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه ، وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري ، وشبه ذلك .
ومن هذا القبيل ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي عن الحافظ أبي الحسن الدارقطني أنه كان يقول فيما لم يسمع من البغوي:"قرئ على أبي القاسم البغوي: حدثكم فلان"، ويسوق السند إلى آخره ، بخلاف ما هو سماعه ، فإنه يقول فيه:"قرئ على أبي القاسم البغوي وأنا أسمع"أو"أخبرنا أبو القاسم البغوي قراءة"ونحو ذلك ، فإما أن يكون له من البغوي إجازة شاملة بمروياته كلها فيكون متصلا أو لا يكون كذلك ، فيكون وجادة وهو قد تحقق صحة ذلك عنه ، على أن التدليس بعد سنة ثلاثمائة يقل جدا ، قال الحاكم: لا أعرف في المتأخرين من يُذكر به إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي .
قال أبو عمر: التدليس في محدثي أهل الكوفة كثير . قال يزيد بن هارون: لم أر بالكوفة أحدا إلا وهو يدلس إلا مسعرا وشريكا . قال الحاكم: وأهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما رواء النهر لا نعلم أحدا من أئمتهم دلسوا .
قال: وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة وأما أهل بغداد فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي ، فهو أول من أحدث التدليس بها ، ومن دلس من أهلها إنما تبعه في ذلك .