وفي القرن الثامن عشر أشار جوهانز فرانك - من النمسا - إلى أهمية الالتفات إلى جذور المشاكل في البيئة العامة، وضرورة اقتلاع جذور الفقر، وإجبار الأطباء على ممارسة التدريب على المرضى من الجنسين في قاعات المرضى، ودراسة حالتهم في فترة النقاهة أو بتشريح الجثث بعد الوفاة. وأكدت حركة التنوير في أوروبا مصداقية (جون لوك) الفيلسوف الإنجليزي - في أن المعرفة ليس لها سوى مصدر واحد فقط هو الخبرة الخارجية (من الاتصال بالعالم المحيط) ، والداخلية (من التأمل الذهني) ، كما اعتبر (كونديلاط) - الفرنسي- أن الوسيلة الوحيدة لفهم العالم هي اعتبار «المحسوسات» المعطيات الأولى للمعرفة، مع وجوب تحليلها والتخلي عن الأفكار المسبقة. وأشار (كانط) عام 1780 إلى أن العلم هو الوسيلة الوحيدة التي تنظم الطبيعة تنظيما منهجيا في تركيبات تضع «الظواهر المتداخلة» فيما بينها في أوضح صورة لكي نفهمها.
3 ـ الطب يتطور بالملاحظة والعلم:
وبحدوث الثورة الفرنسية وتوالي الحروب الأوربية ارتفع شأن الجراحة التي لم تكن تعتبر طبا، بفضل الحاجة للجراحين، وتعددت المستشفيات في باريس وتخصصت فأصبحت عاصمة العالم في العلوم الطبية، ومركزا لجذب الأطباء من أوروبا وأمريكا.
(4) . وأصبح لكليات الطب في القرن التاسع عشر في الغرب دور مسؤول، كما أصبح شعارها «اقرأ قليلا، وانظر كثيرا، وافعل أكثر» . ونقل (فيليب بينيل) - أحد كبار الجراحين الفرنسيين - العلوم الطبية نقلة كبيرة بالإشارة إلى أهمية ملاحظة البيانات إكلينيكيا وإرجاعها إلى مصادرها في الجسم، وتطبيق منهج التحليل على علوم الطب، أما تلميذه (بيشان) فقد قسم الأنسجة إلى أنماط (منها الخلوي والعصبي والشرياني والوريدي والجلدي والعظمي والمخاطي والغددي...) ، وبين أن المرض ينتشر من نسيج لآخر داخل الجسد، واخترع علم التشريح المرضي «الباثولوجيا» .
4 ـ الرياضيات والإحصاء في خدمة التطور الطبي: