فهرس الكتاب
فلما كان المراد من تشخيص الوفاة هو القيام بما يجب علينا حيال المتوفى من غسيل وتجهيز ودفن جاء العلماء بمظاهر الموت الواضحة للعين المجردة التي تحدث عندما تتقدم عملية الوفاة شوطًا بعيدا - وحتى إذا ما التزمنا بهذا التحديد للموت نجد أن بعض وظائف الجسم تستمر بعده مثل نمو الشعر والأظافر، ولكن مع تقدم العلوم الطبية واجهتنا مواقف أدق تتطلب منا تحديدا أوضح لتلك اللحظة التي يحدث عندها الموت، إذ أنه أصبح في استطاعة الطب في غرف العناية المركزة أن يستمر في إمداد الجسم بالأكسجين وبالدم بأجهزة حديثة تمنع ظهور التغيرات التي تعتري مختلف الأعضاء عندما تترك عمليات التحلل لتأخذ مجراها، فنصبح أمام جسد لا يمكن أن يعود إلى الترابط الطبيعي من حيث وظائف أعضائه، إذ أن المراكز المسؤولة عن ذلك توقفت بلا رجعة في حين لا تظهر باقي علامات التحلل على أعضاء الجسد الأخرى ما دامت تتغذى بالأكسجين والدم إلى فترات قد تطول لمدة أشهر.
هنا أصبح من الواجب تحديد هذه اللحظة التي تبدأ عندها رحلة اللاعودة حتى نجنب أهل المريض والهيئات الطبية مشاعر القلق والترقب التي قد تطول شهورا، كما نجنب الهيئات الطبية المجهود البشري والاستهلاك المادي الباهظ وشغل الأماكن القليلة في غرف الإنعاش التي يمكن أن يستفيد منها مرضى آخرون استفادة أكثر جدوى. ومن جرب مثل هذه الفترات الطويلة القاسية التي تنتهي أخيرا وبدون استثناء بالتوقف التام لكل الوظائف الفسيولوجية وأهمها نبض القلب يمكن أن يقدر الأهمية الإنسانية لتحديد تلك اللحظة التي تبدأ عندها عملية الموت التي لا رجعة فيها، وحتى مهما حاولنا الإبقاء على حيوية أعضاء الجسم في هذه الحالات نجد أن اختلال الوظائف يتوالى من فقد الكليتين للزلال وإصابة الرئتين المتكررة بالالتهابات وغير ذلك مما يزيد من نفقات العلاج والمجهود اللازم للمتابعة في العلاج بلا طائل.