فهرس الكتاب
(1) على البرزخ بين الحياة والموت في أثناء التخدير العام:
1 ـ بعد سنوات ثلاث من منتصف القرن العشرين، وقد تخرجت حديثا من كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، وبدأ عملي في التخدير (حتى اليوم) ، كنت ألتقي يوميا بمرضاي تحت التخدير العام وهم يحتلون أحد المواقع على البرزخ القصير ما بين الحياة والموت، وكثيرا ما تأملت الآية القرآنية الكريمة {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} (الزمر:39) ، ويحمل التخدير (البنج) العام ملامح نوم ثقيل لا يستجيب فيه المريض لنداء أو إثارة. وبزيادة جرعة المخدر والنزول على السلم عبر البرزخ يقترب المريض من موت المخ رويدا، (أو سريعا) ثم مايلبث أن يتوقف تنفسه وتتسع حدقتا عينيه ولا يستجيبان في النهاية للضوء بحركة، وإذا لم يوقف مفعول أدوية التخدير يتوقف القلب فيموت المخ نهائيا، وبذلك، يقبض (روحه) ملك الموت بغير رجوع في وقت معلوم لنا، أما إن أوقفنا التخدير في الوقت المناسب فإن المريض يعود يصعد على درجات السلم القهقهرى وتتقمصه روحه التي لاتفارقه الآن، وما يلبث أن يعود إلى اليقظة الكاملة والحياة النشطة الفاعلة.
2 ـ الأدوية والأجهزة المستعملة في التخدير أبرزت إلى الوجود مفهوم موت المخ:
وباستعمال الأدوية التي تشل العضلات الإرادية للتنفس عن طريق الحقن بالوريد ينتج شلل لدقائق أو لساعات طوال، لا يعيش المريض أثنائها إلا بتنفيخ الرئتين من خلال قسطرة في حنجرة المريض، أو باستعمال أجهزة التنفس الصناعي بدلًا من جهد الطبيب.
ولقد تسببت هذه التقنية المزدوجة للأدوية والآلات المستعملة في التخدير في كف مركز التنفس بجذع المخ عن السيطرة على التنفس، هذه الوظيفة الحيوية اللازمة لعمل القلب وحياة المخ كليهما.