فهرس الكتاب
لقد أثار انتباهي منذ بداية دراستي لجراحة المخ أن جميع أعضاء الجسم يمكن الاستغناء عنها أو استبدالها بينما لا يمكن استبدال مخ الإنسان ولا يخطر ذلك على بال أحد، بل إن جميع أطراف الجسم يمكن أن تبتر ويظل الإنسان موجودا حتى بعد استئصال نصف المخ (أحد النصفين الكرويين) Hemispherectomy، وهي جراحة نادرة تجرى أحيانا في بعض حالات الصرع في الأطفال، بينما إذا لم يكن الفريق الجراحي في جراحات المخ على حرص شديد لعدم تَعَرُّض جذع المخ أو شرايينه ولو لبعض الضغط الخفيف أثناء الجراحة فإن ذلك يتبعه صعوبة في إفاقة المريض قد تمتد لأكثر من أسبوع، وقد ولَّدت هذه الملاحظات عندي الاعتقاد ليس فقط بأن المخ هو أهم عضو في جسم الإنسان، بمعنى ألا حياة بدونه وأنه لا يمكن استبداله، بل أصبحت أميل إلى الاعتقاد بأن جذع المخ يرتبط بسر حياة الإنسان ففيه يكمن وعي الإنسان فهو الجزء من الإنسان الذي ينام ويصحو، وأن مخ الإنسان الحي هو الإنسان ذاته، وأن جميع الأعضاء الأخرى خلقت لتقوم على خدمة هذا السيد من توفير لطلباته وتوفير غذائه من هضم وامتصاص ودفعه إليه في الدم بمعرفة القلب وتصريف فضلاته الناتجة عن استخدام الطاقة، وتمكينه من التنقل من مكان لآخر حسب رغبته بمعرفة الجهاز الحركي.