وتبقي الصفوف في مواضعها بسيطرة قائدها، إلي أن يفقد زخم المهاجمين بالكرّ والفرذ شدّته. عند ذاك تتقدم الصفوف متعاقبة للزحف علي العدو.
استعرض الرسول صلي اللّه عليه وسلم أصحابه قبل القتال، فعندما رآهم يتزاحمون ويدنو بعضهم من بعض جعلهم صفوفا وأخذ يعدل صفوفه. وأمرهم أن يصدوا هجوم العدو وهم مرابطون في مواقعهم، وذلك بتسديد النبال إلي صدور العدو، كما أمرهم ألاّ يحملوا إلا بأمر منه. فلما تهاوت رجال قريش وضعف زخم هجومهم، أصدر صلي اللّه عليه وسلم أمره إلي المسلمين بالهجوم، ثم بالمطاردة بعد انهزام المشركين 1.
لقد سيطر الرسول صلي اللّه عليه وسلم علي (الصفوف) في دفاعها وهجومها ومطاردتها، حتي لم يتقدم أحد للمبارزة إلا بأمر منه، ولم يقم المسلمون بأي عمل حربي إلا بأمر منه أيضا. وبذلك أمّن صلي اللّه عليه وسلم السيطرة علي قواته والاحتياط اللازم لها تماما كما في الحروب الحديثة2.
وتحدث ابن خلدون عن الأساليب القتالية الحديدة، التي استحدثها النبي صلي اللّه عليه وسلم في معاركه، والتي لم يكن للعرب عهد بها، فقال مشيرا إلي ذلك: و كانت الحرب أول الإسلام كلّه زحفا، وكان العرب إنّما يعرفون الكرّ والفر3.
وتفصيل ذلك اتباعه صلي اللّه عليه وسلم أسلوب الدفاع ولم يهاجم قوة قريش، وكانت توجيهاته التكنيكية التي نفذها جنوده بكل دقة سببا في زعزعة مركز العدو وإضعاف نفسيته، وبذلك تحقق النصر الحاسم بتوفيق اللّه عز وجل، علي العدو برغم تفوقه بنسبة (3 إلي 1) 4.فقد كان صلي اللّه عليه وسلم يتصرف في كل موقف حسب ما تدعو إليه المصلحة وذلك لاختلاف مقتضيات الأحوال والظروف. وقد طبّق الرسول صلي اللّه عليه وسلم في الجانب العسكري أسلوب القيادة التوجيهية في مكانها الصحيح، أما أخذه بالأسلوب الإقناعي في غزوة بدر فقد تجلّي في ممارسة فقه الاستشارة في مواضع متعددة، لأنه صلي اللّه عليه وسلم لا يقود جنده بمقتضي السلطة، بل بالكفاءةون الثقة، وهو صلي اللّه عليه وسلم لا يستبد برأيه، بل يتبع مبدأ الشوري وينزل عند الرأي الذي يراه صوابا،
ومارس صلي اللّه عليه وسلم في غزوة بدر أسلوب القيادةُ التوجيهية، الأمر الذي تجلي في عدة أمور، منها5:
(1) المصدر السابق، ص:117.
(2) المصدر السابق، ص:118.
(3) مقدمة ابن خلدون، ص:271.
(4) مقومات النصر، أحمد أبو الشباب، (2/ 154) .
(5) في ظلال السيرة النبوية: غزوة بدر الكبري، ص:63 - 64.