كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه
1.و هم خير أمة محمد صلي اللّه عليه وسلم،:و خير جيل في تاريخ البشرية كما أخبرنا بذلك النبي صلي اللّه عليه وسلم: «خير الناس قرني» 2، و هم الذين بذلوا أموالهم وأنفسهم بسخاء في سبيل هذا الذين. فالمهاجرون رضي اللّه عنهم تركوا ديارهم وأراضيهم وأموالهم في مكة وفرّوا بدينهم إلي دار الهجرة لينجوا بالعقيدة. والأنصار رضي اللّه عنهم هم الذين بذلوا أموالهم لإخوانهم المهاجرين، فشاطروهم في الأموال، وتوارثوا فيما بينهم.
ولعل السر في ذلك أن البلاء في القتال في ذلك الوقت كان يقاس بمقدار ما يحصل عليه المقاتل من الغنائم، فإن عاد بلا غنيمة، فكأنه لم يقاتل ولم يتقدم الصفوف فيقتل ويغنم، وإن عاد وقد حاز غنائم كثيرة، فهذا يعني أنه تقدم الصفوف وقاتل وقتل من أعدائه فغنم. وهكذا فالذي يشهد له بالبلاء في القتال وعدمه ما يحوز من غنائم في المعركة، وكل واحد منهم كان يحرص أن ينال وسام الشرف الرفيع، بتلك الشهادة المعصومة من رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم، وفي الحقيقة إذا شهد رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم فقد شهد له اللّه بذلك، لأن الرسول صلي اللّه عليه وسلم لا ينطق عن الهوي 3.
وهذه الشهادة التي كان يحرص عليها كل صحابي شيخا كان أو شابا لا تعادلها شهادة في الدنيا، وتعني مكافاة لا تعدلها مكافاة هي النعيم المقيم في دار الخلود. وما دام الأمر كذلك فحق لهم أن يتنافسوا علي هذا الشرف - قال تعالي:
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
4 -وطريق ذلك الحصول علي الغنيمة5.
مما سبق يتضح لنا أن الصحابة رضي اللّه عنهم اختلفوا حول الغنائم، ومن أحق بها، فالذين أحرزوا قالوا: هي لنا، وغيرهم قالوا: لو لا نحن جمعتم هذه الأموال. وهنا يأتي مقام التربية القرآنية الصادرة عن رب متصف بأرقي درجات الكمال، لا يضل ولا ينسي، عالم بما يصلح الإنسان في دينه ودنياه وآخرته. إذ جاءت الآية الكريمة المذكورة آنفا لترد أمر الأنفال للّه ? ولرسوله الكريم صلي اللّه عليه وسلم، وتحض المؤمنين علي وجوب تقوي اللّه عز وجل، وإصلاح ذات البين، والالتزام بطاعة اللّه ورسوله صلي اللّه عليه وسلم. إلي أن جاء قوله
(1) سورة آل عمران/من الآية 110.
(2) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، الحديث رقم 1646 ص 688.
(3) في ظلال السيرة النبوية: غزوة بدر الكبري، ص:86.
(4) سورة المطففين/من الآية 26.
(5) في ظلال السيرة النبوية: غزوة بدر الكبري، ص:86.