المبحث الثالث مواقف ودلالات العلاقة الروحية السامية بين الرسول القائد صلي اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم
تمهيد:
تعددت وتنوعت دلالات العلاقة الروحية السامية بين النبي صلي اللّه عليه وسلم، وأصحابه رضي اللّه عنهم في غزوة بدر الكبري. وصفحات هذا المبحث تتناول هذه المواقف والدلالات، التي ترجع في أصلها إلي المحبة والثقة المتبادلة بين الرسول صلي اللّه عليه وسلم وصحابته، فضلا علي معرفته صلي اللّه عليه وسلم بنفسيات الجنود وقابلياتهم المتباينة.
لقد كان صلي اللّه عليه وسلم يحب أصحابه حبّا لا مزيد عليه، فإذا سلّم صلي اللّه عليه وسلم عليهم لا يسحب يده حتي يرخي المصافح يده، وكان يلقي الناس بوجه باسم متهلل حقا، وكان يمقت الغيبة، وكان البادئ دائما أصحابه بالتحية.
أما ثقة أصحاب الرسول صلي اللّه عليه وسلم به، فقد كانت عظيمة جدا، كما كانت ثقته بأصحابه عظيمة أيضا. والدليل علي ذلك منحه صلي اللّه عليه وسلم الثقة لقواته في غزوة بدر، بينما كانت قوات المشركين ثلاثة أمثال قواته، وفي الوقت نفسه وقوف جميع أفراد الجيش خلفه صفا واحدا لا يتزعزع.
وبالنسبة إلي معرفة النبي صلي اللّه عليه وسلم بنفسيات وقابليات جنوده، فقد كان صلي اللّه عليه وسلم ملما إلماما شديدا بهذا الجانب، لأنه صلي اللّه عليه وسلم ولد بينهم وعاش وترعرع معهم، وكان يعيش كأي واحد منهم، ويشاركهم في السرّاء والضرّاء.
عرف مزايا الجميع، وكلّف كل واحد منهم بواجب يتفق مع قابليته البدنية والعقلية، لذلك استطاع أكثر الصحابة إنجاز مهماتهم بكفاءة وإتقان.
إنه صلي اللّه عليه وسلم لم يحمّل شخصا فوق ما يطيق، وهذا دليل علي معرفته نفسيات وخواص وقابليات أصحابه جميعا.
ولعلّ أهم ميّزة يمتاز بها الرسول صلي اللّه عليه وسلم علي غيره من القادة والرسل، هي أنه كان قديرا علي اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب. وكان يعرف النفسيّة البشرية، ويقدّرها حق قدرها، ويعرف كيف يوجهها إلي ما يناسبها.