والمهم في الأمر أنه صلوات اللّه وسلامه عليه، كان يذكر أصحابه بأفضل ما فيهم من صفات، ويغض النظر عمّا يعانونه من نواقص بشرية، ويأمر أصحابه بأن يتحدثوا عن بعضهم بأفضل ما يتمتعون به من خصال وسجابا ... وبذلك كان صلي اللّه عليه وسلم يبني الرجال ولا يحطم الرجال.
تأسيسا علي ذلك تضمنت غزوة بدر المباركة عدة مواقف عكست طبيعة التفاعل السامي بين شخصية الرسول صلي اللّه عليه وسلم وصحابته رضي اللّه عنهم، نوضحها من خلال الفقرات الآتية:
1 -مشاركة النبي صلي اللّه عليه وسلم أصحابه في الصعاب:
روي الحاكم بسنده عن عبد اللّه، قال: كنّا يوم بدر كل ثلاثة علي بعير، قال: وكان علي وأبو لبابة (و في رواية علي ومرثد بن أبي مرثد) زميلي رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم، قال: وكان إذا كانت عقبته قلنا: اركب حتي نمشي، فيقول صلي اللّه عليه وسلم:"ما أنتما بأقوي منّي، وما أنا بأغني عن الأجر منكما"1.
2 -أسلوب الحباب بن المنذر في طرح رأية:
من خلال طريقة عرض الحباب بن المنذر لفكرته علي الرسول صلي اللّه عليه وسلم نستطيع أن نلحظ عظمة التربية النبوية التي سرت في أشخاص صحابة رسول اللّه رضي اللّه عنهم، إذ قام الحباب بعرض الخطة التي لديه، لكن هذا تم بعد السؤال العظيم الذي قدمه بين يدي الرسول صلي اللّه عليه وسلم: يا رسول اللّه، أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه اللّه، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
إن هذا السؤال ليبين عظمة هذا الجوهر القيادي الفذ الذي يعرف أين يتكلم، ومتي يتكلم بين يدي قائدة، فإن كان الوحي هو الذي اختار هذا المنزل، فأحب إليه أن تقطع عنقه من أن يتلفظ بكلمة واحدة. وإن كان الرأي البشري فإن لديه خطة جديدة كاملة باستراتيجية جديدة.
(1) المستدرك، (3/ 20)