الصفحة 173 من 378

إن هذه النفسية الرفيعة عرفت أصول المشورة، وأصول إبداء الرأي، وأدركت مفهوم السمع والطاعة، ومفهوم المناقشة، ومفهوم عرض الرأي الآخر مع رأي سيد ولد آدم صلي اللّه عليه وسلم.

وتبدو عظمة القيادة النبوية في حسن استماع الرسول صلي اللّه عليه وسلم للحظة الجديدة، ومن ثمّ الموافقة عليها، والإعجاب بها، وتنبيها بشكل عملي في ساحة المعركة، استجابة للشوري التي أمره اللّه عز وجل بها.

4 -تسوية سواد بن غزية في الصف:

قال ابن إسحاق: وحدثني حبّان بن واسع بن حبّان عن أشياخ من قومه أن رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح 1يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل 2من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: استو يا سواد، فقال: يا رسول اللّه أوجعتني وقد بعثك اللّه بالحق والعدل فأقدني 3، قال: فكشف رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم عن بطنه، وقال: استقد، قال: فاعتنقه، فقبل بطنه، فقال: ما حملك علي هذا يا سواد؟ قال: يا رسول اللّه، حضر ما تري، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم بخير وقاله له 4.

5 -العدل في توزيع الغنائم، وفي مراعاة الظروف العائلية:

كان رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم لا يكلف المسلمين فوق طاقتهم، سواء كان ذلك في السلم أم الحرب، وفي غزوة بدر أعفي النبي صلي اللّه عليه وسلم بعض الصحابة لأن ظروفهم الأسرية تتطلب منهم القيام عليها ورعايتها، فقد أعفي عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه من الخروج يوم بدر لأن زوجته رقية كانت مريضة وبحاجة إلي من يرعي شؤونها. وروي البخاري أن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أخبر عن سبب تغيب عثمان في غزوة بدر، فقال: ... وأما تغيبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم: «إن لك أجر ممن شهد بدرا وسهمه» 5.

وأمر صلي اللّه عليه وسلم أبا أمامة بالبقاء عند أمة إذ كانت مريضة ومحتاجة إليه، فعن أبي أمامة بن ثعلبة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم أخبرهم بالخروج إلي بدر وأجمع الخروج معه فقال له خاله أبو بردة بن نيّار: أقم

(1) قدح: القدح: بالكسر: السهم قبل أن ينصّل ويراش. ينظر: لسان العرب، (7/ 258) .

(2) مستنثل: استنثل: أي تقدم، واستنثل القوم علي الماء إذا تقدموا. ينظر: لسان العرب، (8/ 447) .

(3) فأقدني: القود: القصاص. وهو قتل النفس بالنفس. وأقدت القاتل بالقتيل أي قتلته به. وإذا أتي إنسان إلي آخر أمرا فانتقم منه بمثلها قيل: استقادها منه. ينظر: لسان العرب، (7/ 532) .

(4) الخبر في عيون الأثر، (1/ 255) ، صحيح السيرة النبوية، ص:236.

(5) صحيح البخاري، الحديث رقم 3699، (4/ 245) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت