الصفحة 176 من 378

الذي تحقق به ما يستلزم الغلبة علي العدو، ولكن علي الرغم من ذلك بقيت الغلبة موقوفة علي ما قدمه أولئك المؤمنون من قتال، ومباشرة لأعمال القتال، وتعرضهم للقتل، وصمودهم وثباتهم في الحرب، واستدامة توكلهم علي اللّه، واعتمادهم عليه، وثقتهم به، وهذه معان جعلها اللّه حسب سننه في الحياة أسبابا للغلبة والنصر، مع الأسباب الأخري المادية، مثل العدة والعدد والاستعداد للحرب وتعلم فنونه ... إلخ. ولهذا فإن الإسلام يدعو المسلمين إلي أن يباشروا بأنفسهم إزهاق الباطل وقتال المبطلين، وأن يهيئوا الأسباب المادية والإيمانية للغلبة والانتصار، بأيديهم إن شاء اللّه تعالي ينال المبطلون ما يستحقونه من العقاب 1.قال تعالي:

قاتلوهم يعذّبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مّؤمنين*و يذهب غيظ قلوبهم ويتوب اللّه علي من يشاء واللّه عليم حكيم

2 -الأخذ بأسباب النصر واجتناب موانعه يجعل المسلمين أهلا لمدد السماء. ذلك أن نزول الملائكة عليهم السلام من السماوات العلي إلي الأرض لنصرة المؤمنين يعد حدثا عظيما.

إنه قوة عظمي، وثبات راسخ للمؤمنين حينما يوقنون بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأنهم إذا حققوا أسباب النصر واجتنبوا موانعه فإنهم أهل لمدد السماء، وهذا الشعور يعطيهم جرأة في مقابلة الأعداء وفي محاربتهم، خاصة أن التكافؤ المادي بين الجيشين مفقود، لأن جيش الكفار كبير العدد، قوي الإعداد، وجيش المؤمنين قليل العدد، وإمكانات عدّته بسيطة. وقد رافق الشعور بمدد اللّه المؤمنين في كل الحروب التي خاضوها في العهد النبوي، وفي عهد الخلفاء الراشدين، كما رافق بعض المؤمنين بعد ذلك، فكان عاملا قويا في انتصاراتهم المتكورة الحاسمة مع أعدائهم 3.

وهو في الوقت نفسه عامل قوي في تحطيم معنوية الكافرين وزعزعة يقينهم، وذلك حينما يشيع في صفوفهم احتمال تكرار نزول الملائكة الذين تمت رؤيتهم عيانا من قبل بعضهم. إذ إنهم مهما قدروا قوة المسلمين وعددهم وعتادهم فإنه سيبقي في وجدانهم رعب مزلزل من احتمال مشاركة قوي غير منظورة في محاربتهم، لا يعلمون عددها ولا يقدرون مدي قوتها.

3 -يرشدنا القرآن الكريم إلي أن الصبر علي المحن والشدائد، والصلابة في مواجهتها. وتقوي اللّه وخشيته، والالتزام بأوامره، واجتناب نواهيه ... كل هذه الأمور تعد سببا لنصرة اللّه لعباده الذين

(1) ينظر: المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة، (2/ 131، 132) .

(2) سورة التوبة/الآيتان 14 - 15.

(3) التاريخ الإسلامي مواقف وعبر، (4/ 145) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت