الصفحة 177 من 378

خلقهم كي يعمروا الأرض بالخير ويدافعوا عن الحق ضد الباطل. مصداقا لقوله الكريم:

بلي إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم

يظهر من ذلك أن النصر بيد اللّه ومن عنده، ولكن يناله المتقون الذين أخلصوا دينهم للّه وتوكلوا حق التوكل عليه عز وجل، الذين قال عنهم اللّه:

الّذين يشرون الحياة الدّنيا بالآخرة

فلا يعوّلون في تحقيق النصر إلا علي البر والتقوي، فإذا عصي اللّه ورسوله ولو من فئة قليلة من المقاتلين نزع اللّه النصر من بين أيديهم عقوبة لهم، وتصحيحا لطريقتهم وإصلاحا لأخطائهم، وتخليصا لقلوبهم من شوائب الدنيا، ووساوس النفوس، فلا تكون الهزيمة بذلك خسارة معركة فحسب، بل تكون وسيلة تطهير وتزكية للنفوس وتمحيص للقلوب، وشحذ للعزائم، ورغبة فيما عند اللّه وإيثار للآجله علي العاجلة، والباقية علي الفانية، وهذا ما وقع في معركة أحد .. قال تعالي:

ولقد صدقكم اللّه وعده إذ تحسّونهم بإذنه حتّي إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم مّا تحبّون منكم مّن يريد الدّنيا ومنكم مّن يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم واللّه ذو فضل علي المؤمنين

4 -يحرص السياق القرآني في أكثر من موضع علي رد أمر نصر المسلمين إلي اللّه، كي لايعلق في تصور المسلم ما يشوب هذه القاعدة الاصيلة: قاعدة رد الأمر جملة إلي مشيئة اللّه الطليقة، وإرادته الفاعلة، وقدره المباشر. وتنحية الأسباب والوسائل عن أن تكون هي الفاعلة، وإنما هي أداة تحركها المشيئة وتحقق بها ما تريده 4.

وقد حرص القرآن الكريم علي تقدير هذه القاعدة في التصور الأسلامي، وعلي تنقيتها من كل شائبة، وعلي تنحية الأسباب الظاهرة والوسائل والأدوات عن أن تكون هي الفاعلة، لتبقي الصلة المباشرة بين العبد والرب، بين قلب المؤمن وقدر اللّه بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا وسائط كما هي في عالم الحقيقة. وبمثل هذه التوجيهات المتعددة في القرآن الكريم، المؤكدة بشتي أساليب التوكيد، استقرت هذه الحقيقة في أخلاد المسلمين، علي نحو بديع، وهادئ، وعميق، ومستنير5.

(1) سورة آل عمران/من الآية 125.

(2) سورة النساء/من الآية 74.

(3) سورة آل عمران/الآية 152.

(4) ينظر: في ظلال القرآن، (1/ 470) .

(5) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت