5 -كان دعاء النبي صلي اللّه عليه وسلم قبل المعركة، ومناشدته ربه تحقيق النصر للمؤمنين معلما علي طريق الجهاد في سبيل اللّه، ودليلا علي أن النصر لا يكون إلا بدوام الصلة باللّه تعالي، والتضرّع إليه والإلحاح في الدعاء، وعدم الاتكال علي القوة المادية مهما عظمت، أو اليأس من النصر مهما تضاءلت، والثقة بأن اللّه آخذ علي نفسه العهد بنصر المؤمنين، قال تعالي:
وكان حقّا علينا نصر المؤمنين
1، و أن النصر بيد اللّه يؤتيه من يشاء من عباده، وأن خرق الأسباب، وحصول الكرامات، ونزول الملائكة للتثبيت والتأييد أمور ممكنة الحدوث في ميادين الجهاد في سبيل اللّه .. ما دام المجاهدون صادقين مع اللّه، آخذين بالأسباب المتاحة، باذلين كل ما في وسعهم، عاملين لإعلاء كلمته، ونصر دينه، وتحكيم شرعه. وهذا سر انتصارات المسلمين الباهرة في حروبهم مع الفرس والروم ومع المغول والصليبين والوثنيين .. تلك الحروب التي أذهلت العقول، وحيّرت الزعماء والقادة وأرباب الحكم والفلاسفة في القديم والحديث.
إن الالتجاء إلي اللّه، والتذلل إليه، وطلب المعونة منه تعد من الأمور الأساسية في تحقق النصر، فهذا الالتجاء والتذلل يزيد إيمان المؤمن وثقته بربه، وبربط قلبه به، ويفيض عليه الإحساس بالقوة المستمدة من قوة اللّه التي لا تقهر. وهذا ما فعله النبي صلي اللّه عليه وسلم في تضرعه والتجائه لربه. ويجب أن يبقي مشهده صلي اللّه عليه وسلم، وقد سقط رداؤة عن كتفيه وهو ماد يديه يستغيث باللّه .. يجب أن يبقي حاضرا في قلب كل قائد أو حاكم أو زعيم، محاولا وساعيا نحو الاقتداء بخاتم الأنبياء والمرسلين صلي اللّه عليه وسلم في مثل هذه الساعات العصبية، وفي مثل هذا المواطن.
وباختصار شديد يمكن القول: إن الإيمان الصادق، والحقيقي إذا وقر في القلب فإنه يصبح مدعاة للتثبيت من عند الواحد الأحد.
6 -استجاب اللّه تعالي للمسلمين وهم يستغيثون، وأنبأهم أنه ممدهم بألف من الملائكة مردفين .. قال تعالي:
إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألف مّن الملائكة مردفين
2.و مع عظمة هذا الأمر ودلالته علي قيمة هذه العصبة وقيمة هذا الدين في ميزان اللّه، إلا أن اللّه سبحانه لا يدع المسلمين يفهمون أن هناك سببا ينشئ نتيجة، إنما يرد الأمر كله إليه - سبحانه - تصحيحا لعقيدة المسلم وتصوره. فهذه الاستجابة، وهذا المدد، وهذا الإخبار به ... كل ذلك لم يكن إلا بشري،
(1) سورة الروم/من الآية 47.
(2) سورة الأنفال/الآية 9.