وكذلك لا يخفي علينا الدور الكبير والمؤثر الذي يمكن أن تؤديه عملية طلب المشورة من التابعين في تعميق روح الولاء والانتماء في نفوسهم تجاه القضية التي يعملون من أجلها، مما ينعكس إيجابيا علي طبيعة العلاقة التي تربطهم بقيادتهم من جهة، وعلي مستوي إنجازهم للمسؤوليات المنوطة بهم من جهة أخري.
وتحتل الشوري أهمية خاصة في وقت الحروب بالذات، ذلك لأن الحروب تقرر مصير الأمم، فإما إلي العلياء، وإما تحت الغبراء، فتتائج الهزيمة معروفة، فهي مصحوبة بانتهاك الحرمات، وتدنيس المقدسات واحتلال الأوطان. ولأهمية هذه الأمور لا بد أن تشرك الأمة فيها، فهي تقرير مصير بالنسبة لها، ومن حق الأمة أن تشارك في تقرير مصيرها، وصنع تاريخها بنفسها، فالتاريخ لا يصنعه فرد واحد فقط مهما بلغت مكانة هذا الفرد.
مما سبق يتضح لنا أن «الشوري» تعد مبدأ ينبغي الالتزام به من قيل القادة علي اختلاف مستوياتهم، وحقا للتابعين، وطريقا أمثل للوصول إلي صواب ما يراد اتخاذ قرار بشأنه. مع ضرورة التذكير بأنه لم يعرض أمريهم جماعة المسلمين في حياة النبي صلي اللّه عليه وسلم إلا وعرضه للشوري بين من حضره من الصحابة، ولم يؤثر عنه قط أنه صلي اللّه عليه وسلم خالف ما انتهي إليه رأي أهل الشوري الحاضرين معه، وذلك في جميع الأمور والقضايا التي لا وحي فيها.
إن الشوري مدرسة تربوية للأمة، تظهر من خلالها شخصيتها، وتحقق ذاتها، وهي سبب من أسباب النصر علي أعدائها، ومن هنا حرص رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم عليها، واقتفي أصحابه رضي اللّه عنهم سننه من بعده فحققوا النصر علي أعدائهم، وأصبحوا سادة الأمم بعد أن كانوا رعاء الشاء والغنم.
ففي أثناء الفتح الإسلامي لأرض فارس طلب قائد جيش الفرس أن يلتقي بالقائد العربي قبل المعركة ليتفاوض معه بشأن حقن الدماء، وبعد أن عرض الفارسي مقالته، قال العربي: أمهلني حتي أستشير القوم، فدهش الفارسي وقال: ألست أمير الجند؟ قال: بلي. قال الفارسي: إننا لانؤمر علينا من يشاور.
قال له العربي: ولهذا نحن نهزمكم دائما، أما نحن فلا نؤمر علينا من لا يشاور1.
4 -يستفاد من تبني جيش المسلمين في غزوة بدر بقيادة النبي صلي اللّه عليه وسلم لشعار (أحد أحد) ... وجوب اتخاذ الجيوش العربية في جميع الأمصار، وعلي مرّ الأزمان، شعارات توثق الصلة باللّه تعالي، وتعبر في
(1) في ظلال السيرة النبوية: غزوة بدر الكبري: ص:38.