ففي الآية الأولي يقول تعالي موجها الخطاب للرسول الكريم صلي اللّه عليه وسلم:
فبما رحمة منّ اللّه لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل علي اللّه إنّ اللّه يحبّ المتوكّلين
1.و النص بهذه الصورة يعد نصا قاطعا لا يدع مجالا للشك في كون الشوري مبدأ أساسا من مبادئ النظام الإسلامي وقيمة عليا يجب علي القادة المسلمين أن يتمسكوا بها دائما وتحت جميع الظروف. أما الآية الثانية فهي قول اللّه عز وجل:
والّذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصّلاة وأمرهم شوري بينهم وممّا رزقناهم ينفقون
2.و وصف المؤمنين بأن (أمرهم شوري) يفيد أن الشوري من خصائص الإسلام الرئيسة التي يجب أن يتحلي بها القادة المسلمون في تعاملهم مع مرؤوسيهم مبتعدين بذلك عن الاستبداد بآرائهم الأمر الذي لا يرضي اللّه عز وجل ولا رسوله الكريم صلي اللّه عليه وسلم.
وحينما نأتي للسنة النبوية الشريفة نجدها زاخرة بالأمثلة العملية لاستشارة الرسول الكريم صلي اللّه عليه وسلم لأصحابه. ومن الواجب علي القادة المسلمين الإقتداء بشخصية رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم والاهتداء بهدية امتثالا لقول اللّه عز وجل:
لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لّمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وذكر اللّه كثيرا
3.فإذا كان النبي صلي اللّه عليه وسلم الموحي إليه من ربه، والمؤيد من رب السماوات والأرض، يستشير أصحابه في القتال وغير القتال، وقد أمره ربه سبحانه بذلك، فإن الشوري في حق غيره من الحكام والسياسين والقادة العسكريين تكون أفرض وأوجب.
ومن هذه السنة العملية لرسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم تستفاد قاعدة عامة تقضي بوجوب عدم قيام القادة بالانفراد في اتخاذ قراراتهم بحجة عدم امتلاك التابعين والمرؤوسين للخبرة والكفاءة اللازمة. فالقائد مهما عظمت إمكاناته واتسعت معارفه لا يمكن أن يتسني له الإلمام بأبعاد وجزئيات عمله بشكل تام، مما يستدعي استفادة المسؤولين - في كل ما يصدر عنهم من أحكام أو يتخذونه من قرارات أو يحدثونه من أوضاع وتنظيمات - من آراء أهل العلم والخبرة والمعرفة فيما يحقق مصلحة المسلمين. مع الأخذ بعين الاعتبار أن المشورة لا تسقط المسؤولية عن كاهل القاء، إذ إن اتخاذ القرار النهائي من واجب الشخص المسؤول الذي ينبغي عليه تحمل تبعات القرار المتخذ سواء كانت إيجابية أم سلبية.
(1) سورة آل عمران/الآية 159.
(2) سورة الشوري/الآية 38.
(3) سورة الأحزاب/الآية 21.