الصفحة 182 من 378

لقد أفلح ك أبو سفيان في اختيار ضمضم ليستغيث بقريش ويحفزها بسرعة للخروج من أجل حماية القافلة. إذ جاءهم بصورة مثيرة جدا، يتأثر بها كل من رآها أو سمع بها. لقد جاءهم يصرخ ببطن الوادي واقفا علي بعيرة جدع بعيره 1، و حول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة2، أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها محمد وأصحابه، لا أري أن تدركوها، الغوث الغوث 3.

2 -براعة النبي صلي اللّه عليه وسلم وقدرته علي مواجهة الظروف الطارئة، والمفاجآت الصعبة، فقد خرج وندب المسلمين لاعتراض القافلة، فلما جاء النفير وخرجت قريش بخيلها وخيلائها بدأ فاستشار الناس، وأخبرهم أنه ربما لقي حربا، وتكلم ثلاثة من أكابر الصحابة فأحسنوا .. وكان يريد أن يسمع رأي الأنصار لأنهم بايعوه علي أن يمنعوه مما يمنعون أنفسهم وأبناءهم ونساءهم، ولم يكن في البيعة ما يلزمهم بالدفاع عنه خارج بلدهم .. وأدرك سعد بن معاذ سيد الأنصار أن النبي صلي اللّه عليه وسلم يريد أن يسمع رأيهم فقال ما قال وسرّ رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم بما قال سعد، وبما أظهره الأنصار من التعطش للشهادة، والاستعداد للقتال مهما كلفهم من تضحيات، وجاء الوحي يبشر المسلمين بالنصر، فانطلق الرسول صلي اللّه عليه وسلم قائلا للمجاهدين: سيروا وأبشروا، فإن اللّه تعالي قد وعدني إحدي الطائفتين. واللّه لكأني أنظر إلي مصارع القوم 4 .. وكانت هذه المقدمات كلها في صالح المسلمين فازدادوا ثقة بنصر اللّه، وإيمانا بوعد اللّه، وعزما علي القتال في سبيل اللّه حتي إذا كانت ساعة اللقاء أبدوا من ضروب البسالة، وفنون الشجاعة ما قرّت به عين رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم، وعين الإسلام. فكان يوم الفرقان .. ويوم التقي الجمعان .. وكان النصر العظيم الخالد.

3 -تمكن النبي صلي اللّه عليه وسلم من خلال تطبيقة مبدأ الشوري في أمر محاربة المشركين، وفي الاستماع إلي مشورة الحباب بن المنذر، وفي استشارة المسلمين بشأن الأسري. تمكن صلي اللّه عليه وسلم من ترسيخ أمر ربّاني ورد في القرآن الكريم من خلال آيتين صريحتين ذكرت فيهما الشوري باعتبارها أمرا واجبا في إحداها،

(1) الجدع: القطع، وقيل: هو القطع البائن في الأنف والأذن والشّقة واليد ونحوها. لسان العرب، (2/ 56) .

(2) اللطيمة: العير التي تحمل المسك وبزّ التجار. ينظر: لسان العرب، (8/ 83)

(3) السيرة النبوية لأبن كثير، (2/ 383) .

(4) أخرجه البخاري. ينظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الحديث رقم 3952، (7/ 387) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت