الصفحة 181 من 378

عناية كبيرة من لدن النبي صلي اللّه عليه وسلم بفن التحقيق مع الآخرين، وتلقط الأخبار منهم بعيدا عن إثارة أي نوع من الشكوك التي قد تؤثر سلبا علي الأهداف المبتغي الوصول إليها من وراء التحقيق. وهذا ما يتضح في عصرنا الحاضر من خلال أساليب عمل أجهزة الاستخبارات العسكرية التي تسعي دائما إلي دعم صنوف الجيش المختلفة بشتي أنواع الأخبار والمعلومات والبيانات والإحصائيات اللازمة لوضع خطط عسكرية متماسكة تؤدي هدفها المتمثل في تكبيد العدو أكبر خسارة ممكنة، مما يجعل الطريق ميسرة لتحقيق النصر النهائي بإذن اللّه عز وجل.

وفي محال الحديث عن أساليب جمع المعلومات، وكيفية نقل الأخبار يجدر بالمسلمين أن يتنفعوا من أسلوب أبي سفيان في جمع المعلومات، إذ كان قائدا بحق جديرا بأن يذكر له حذره البالغ وفطنته الكبيرة في تتبع تحركات جيش المسلمين وتحسس أخبارهم بنفسه. إذ استطاع التعرف إلي تحركات عدوه، حتي خبر السرية الاستطلاعية عن طريق غذاء دوابها.

يستفاد مما تقدم أنه ينبغي علي القائد أن يخفي عن عدوه كل شي ء يمكن أن يستفيد منه في استخلاص المعلومات، وقد يبدو أحيانا هذا الشي ء تافها، إلي أنه ينبغي إلا يتهاون فيه. ففي العصر الحديث يستطيع العدو أن يعرف الكثير عن عدوه إذا علمي كمية الغذاء اليومي له، ويستطيع أن يستفيد إذا عرف ما تستهلكه سيارات الجيش من وقود، فيقدر عددها ونوعها أحيانا1.

وقد يخفي الجيش أحيانا خسائره من القتلي، ويغفل عن ناحية قد تبدو للعيان بسيطة وهي نعي القتلي في الجرائد والصحف المحلية، فيستطيع المتتبع لهذه الصحف خلال فترة معينة من الزمن أن يحصي خسائر عدوه عن طريق النعي وهكذا2.

ويستفاد من قيام أبي سفيان باختيار ضمضم بن عمرو الغفاري - و إرساله إلي قريش لإخبارهم بتعرض قافلتهم للخطر - أهمية اختيار الرجل المناسب للنهوض بالمهمة المناسبة. إذ للناس طاقات عديدة، وكفاءات مختلفة ومتنوعة، علمية أو فنية أو إدارية أو قيادية أو اجتماعية أو حربية أو غيرها، والقائد الناجح هو الذي يعرف طاقات جنوده وكفاءاتهم ثم ينظمها ويوظف كلا منها في الجهة المناسبة المنتجة، المفيدة للصالح العام 3.

(1) في ظلال السيرة النبوية: غزوة بدر الكبري، ص:33.

(2) المصدر السابق.

(3) الصدر السابق، ص:34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت