الصفحة 180 من 378

صفحات المبحث الثاني من هذا البحث.

أما الدروس والعبر المستفادة من هذه الدلالات فسيتم إيضاحها من خلال النقاط الآتية:

1 -أهمية معرفة أحوال العدو، وتتبع أخباره، واستنتاج أحواله واستعداداته. فقد سأل صلي اللّه عليه وسلم عن منزل قريش، وعددها، وزعمائها، وأبطالها، وأرسل العيون لذلك، و سأل من لم يكن علي علم بما بدور ليكون أقرب إلي الصواب وأبعد عن الشبهة، وقام بنفسه ومعه صاحبه أبو بكر رضي اللّه عنه ببعض هذا المهام ليكون ذلك درسا لكل قائد عسكري، كي لا يكون اعتماده كله علي عيونه وجواسيسه .. ولأن نظر القائد أبعد من نظر من دونه، وحرصه أشد من حرص غيره، وليكون كل جندي عينا علي عدوه يعرف كل ما يستطيع معرفته عنه، ويواصل أخباره، ويكشف تحركاته ومؤامراته.

ومن الجدير بالذكر أن النبي صلي اللّه عليه وسلم تحلي بصفة الكتمان في عامة غزواته، وقد أرشد القرآن الكريم، المسلمين إلي أهمية هذا المبدأ. قال تعالي:

وإذا جاءهم أمر مّن الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلي الرّسول وإلي أولي الأمر منهم لعلمة الّذين يستنبطونه منهم ولو لا فضل اللّه عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيّطان إلاّ قليلا

1.و في غزوة بدر ظهر هذا الخلق الكريم للرسول صلي اللّه عليه وسلم من خلال ما يأتي 2:

*سؤاله صلي اللّه عليه وسلم الشيخ الذي لقيه في بدر عن محمد وجيشه، وعن قريش وجيشها.

*تورية الرسول صلي اللّه عليه وسلم في إجابته علي سؤال الشيخ: ممن أنتما؟ بقوله صلي اللّه عليه وسلم:"نحن من ماء".و هو جواب يقتضيه المقام، فقد أراد به الرسول صلي اللّه عليه وسلم كتمان أخبار جيش المسلمين عن قريش. وقد صدق صلي اللّه عليه وسلم بأنه"من ماء"، مصداقا لما جاء في محكم التنزيل:

ألم نخلقكّم منّ مّاء مّهين

*و في انصرافه فور استجوابه كتمان - أيضا - و هو دليل علي ما يتمتع به رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم من الحكمة، فلو أنه أجاب هذا الشيخ ثم وقف عنده لكان هذا سببا في طلب الشيخ بيان المقصود من قوله صلي اللّه عليه وسلم:"من ماء".

بذلك نلحظ أن التربية الأمنية في المنهاج النبوي مستمرة منذ الفترة السرية، والجهرية بمكة، ولم تنقطع مع بناء الدولة وأصبحت تنمو مع تطورها وخصوصا في غزوات الرسول صلي اللّه عليه وسلم. الأمر الذي يعكس

(1) سورة النساء/الآية 83.

(2) ينظر: السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث، علي محمد محمد الصلاّبي، (2/ 11) .

(3) سورة المرسلات/الآية 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت