الجند، وهو رمز الجماعة التي يقودها، وغيابه عن ميدان المعركة يسبب ارتباكا للجيش يؤدي إلي أوخم العواقب. وقد فطن المسلمون إلي هذه الحقيقة حينما جعلوا لرسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم مقرا في مكان مرتفع يشرف منه علي الميدان، واهتموا بحراسة والذود عنه حتي لا يصل إليه العدو. ومع هذا فقد نزل صلي اللّه عليه وسلم إلي الميدان يحرض الجند، ويصف الصفوف، بل ويطارد العدو، ويلوذ به جنده، وهو في المقدمة. ذ 8 - يستفاد من استخدام أسلوب (الصفوف) في القتال بأنه يتميز علي أسلوب (الكرّ والفر) بأنه يؤمن ترتيب القوات بالعمق، فتبقي دائما بيد القائد قوة احتياطية يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان، كأن يصد هجوما مضادا للعدو، أو يضرب كمينا لم يتوقعه، أو أن يحمي الأجنحة التي يهددها العدو بفرسانه أو بمشاته، ثم يستثمر الفوز بالاحتياط من الصفوف الخلفية عند الحاجة. وصدق اللّه العظيم، إذ يقول في محكم التنزيل:
إنّ اللّه يحبّ الّذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مّرصوص
إن تطبيق الرسول صلي اللّه عليه وسلم لأسلوب (الصفوف) في معركة بدر، يعد عاملا مهما من عوامل انتصاره علي المشركين، والتاريخ العسكري يحدثنا بأن سر انتصار القادة الكبار كالاسكندر وهانيبال قديما، ونابليون ومولتكه ورومل ورونشتد حديثا، وهو أنهم طبقوا أساليب جديدة في القتال غير معهودة، أو قاتلوا بأسلحة جديدة ليست موجودية لدي أعدائهم 2.
يظهر للباحث في السيرة النبوية، أن النبي صلي اللّه عليه وسلم كان يباغت خصومه ببعض الأساليب القتالية الجديدة، وخاصة تلك التي لم يعهدها العرب من قبل، علي نحو ما قام به صلي اللّه عليه وسلم في يوم بدر، وأحد، والخندق، وغيرها.
وقد بيّن ابن خلدون أفضلية الأساليب التي استحدثها النبي صلي اللّه عليه وسلم بقوله: وقتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكرّ والفر، وذلك لأن قتال الزحف ترتب فيه الصفوف وتسوي كما تسوي القداح، أو صفوف الصلاة، ويمشون بصفوفهم إلي العدو قدما، فلذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو، لأنه كالحائط الممتد، والقصر المشيد لا يطمع في إزالته 3.
(1) سورة الصف/الآية 4.
(2) الرسول القائد، ص:117.
(3) مقدمة ابن خلدون، ص:271.