الصفحة 211 من 378

المقدمة1

إن قراءة متأنية في التاريخ الإسلامي تكشف عن جملة من الأدوار الطلائعية التي قام بها العلماء المسلمون، لا علي مستوي نشر العلم والمعرفة فحسب، بل في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. أما في المجال المذهبي فإنهم تركوا بصمات واضحة في مسار التغيرات والانعطافات الحاسمة التي عرفها المجتمع الإسلامي، وهذه قاعدة تاريخية تتأكد للباحث كلما تعمّق في دراسة التاريخ المذهبي للأمة الإسلامية، ووقف علي التحولات والتغيرات التي عرفها. ولعلّ أول ما يلفت النظر في تتبع منحني التطور المذهبي بالغرب الإسلامي، تلك الطفرة التي شهدها المذهب المالكي بهذه المنطقة ابتداء من منتصف القرن الخامس الهجري حتي منتصف القرن الذيّ يليه، والتي تجسّدت في سيادة هذا المذهب في جل مرافق الحياة السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، ورجحان كفّته علي سائر المذاهب الأخري.

ولا يخامرنا شك في أن هذا الحدث الذي يعتبر بكل المقاييس ظاهرة متميزة في تاريخ الغرب الإسلامي، جاء إفرازا لمجموعة من المعطيات المتشابكة، كالمعطي البيئي الذي ركز عليه ابن خلدون في مقدمته 2، و الرحلات العلمية التي اتجهت خلال القرن الخامس الهجري من المغرب والأندلس نحو المشرق الإسلامي، فضلا عن دور الدولة المغربية في التمكين للمذهب المالكي ونصرته. بيد أن تفسير الصحوة التي شهدها المذهب المالكي بالمغرب والأندلس خلال تلك الحقبة لا يتأتي بمعزل عن رصد الأدوار المختلفة التي قام بها علماء الغرب الإسلامي، والتي أسفرت في نهاية المطاف عن سيادة المذهب وانتشاره في تلك الربوع الغربية من العالم الإسلامي، فأين تتجلي تلك الأدوار؟ وما هي أهميتها في

(1) انظر الاختزالات والرموز المستعملة في البحث، في آخره قبل المصادر.

(2) يراجع كتاب المقدمة لابن خلدون، ج 3، ص 1020 - 1021، و فيه يعزو هذا المؤرخ والعالم الاجتماعي في تفسيره لسيادة وانتشار المذهب المالكي بالمغرب إلي طابع البداوة الذي غلب علي أهل المغرب، وتشابه نمط حياتهم مع حياة الحجازيين البدوية، مضيفا أن رخلاتهم اقتصرت علي الحجاز، خاصة المدينة المنورة التي كان يسود فيها المذهب المالكي. وانظر أيضا: البيئة وأثرها في صياغة مذهبنا المالكي، لمحمد العمراني، مجلة دعوة الحق. عدد 245، سنة 1985 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت