تصاعد منحني انتشار المذهب المالكي بالمغرب والأندلس؟ ذلك ما نسعي في هذا البحث إلي البرهنة عليه وتأكيد صحته من خلال الأدلة والقرائن.
وفقا لما تمدنا به النصوص المتاحة، خاصة تلك الواردة في كتب الطبقات والتراجم والفهارس والمشيخات، يمكن القول: إن ثمة خمس قنوات نهجها علماء المغرب والأندلس لترسيخ المذهب المالكي في هذا الجناح الغربي من دار الإسلام، وهي:
1 -الرحلات العلمية التي قاموا بها نحو المشرق الإسلامي، والتي أسفرت عن تكوين أطر مالكية ستعمل علي نشره بكافة مناطق الغرب الإسلامي.
2 -ثم تدريس المذهب المالكي وتلقين أسسه لمختلف شرائح المجتمع المغربي - الأندلسي بعد العودة من المشرق.
3 -والجنوح نحو تأليف الكتب المالكية وأعلام المذهب كأسلوب لنشره.
4 -فضلا عن مساهمة هؤلاء العلماء في إنشاء دولة علي أساس المذهب المالكي، وهي الدولة المرابطية التي لم تأل جهدا في نصرة هذا المذهب وتثبيت قواعده.
5 -ناهيك عن تولي العلماء منصب القضاء وفق التشريع المالكي، وهو ما ساهم في تغلغله وترسيخه داخل نسيج مجتمع الغرب الإسلامي.
وقبل الخوض في دراسة هذه القنوات المتنوعة التي سلكها علماء المغرب والأندلس من أجل تدعيم المذهب المالكي ببلادهم من منتصف القرن الهجري الخامس إلي منتصف القرن السادس، نري من الناحية المنهجية ضرورة التذكير - في عجالة - بالوضعية المذهبية بالمغرب والأندلس قبل هذه المرحلة، وموقع المذهب المالكي في الخريطة المذهبية بالمنطقة، بغية إدراك التطور الهائل الذي حدث بعد ذلك.
الوضعية المذهبية في المغرب والأندلس قبل منتصف القرن الخامس الهجري:
لا يتأتي إدراك الأدوار التي لعبها علماء المغرب والأندلس في التمكين للمذهب المالكي دون الوقوف علي الخريطة المذهبية السائدة في بلاد المغرب والأندلس، ووضعية المذهب المالكي فيها.