الصفحة 213 من 378

فاعتمادا علي النصوص والروايات الواردة في أمّات المصادر التراثية التي تنتمي لحقل الأدب الجغرافي وكتب الفرق والملل والنحل - رغم شحّ معلوماتها - يمكن للباحث أن يستشف نوعا من التعددية المذهبية في المغرب والأندلس قبل منتصف القرن الخامس الهجري، أي قبل ظهور أكبر دولة حققت الوحدة المذهبية علي أساس المذهب المالكي، وهي دولة المرابطين.

في سياق هذا الاستكشاف للخريطة المذهبية، يمدنا البكري بمعلومات عن مناطق انتشار المذهب الشيعي بالمغرب، فيشير إلي أن التشيّع نجح في اختراق قبيلة بجنوب المغرب يعرف أهلها ببني لماس الذين وصفهم بأنهم «روافض يعرفون بالبجليين» 1.كما يذكر أن البذرة الأولي للتشيع نبتت في منطقة السوس الواقعة جنوب المغرب الأقصي قبيل ظهور أبي عبد اللّه الشيعي الفاطمي، علي يد رجل يدعي محمد بن ورستّد الذي تجرّأ علي الصحابة، فدعا إلي سبّهم، وأحلّ المحرّمات. وتزودنا مصادر أخري 2برواية مختلفة تشير إلي وجود فرقتين شيعيتين في السوس بجنوب المغرب أيضا، إحداهما حشوية3، والثانية موسوية إثنا عشرية تقول بإمامة موسي الكاظم بن جعفر الصادق 4.و تتفق مختلف النصوص علي التناحر والتطاحن الذي ظلّ قائما علي قدم وساق بين الفرقتين في إطار الصراعات المذهبية التي عرفتها البلاد المغربية. وينفرد المقدسي برواية خاصة سمي فيها الطائفة الشيعية الواردة عند البكري بالإدريسية، مشيرا إلي أن مذهبها يقترب من

(1) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، للبكري، ص 161.

(2) وصف إفريقيا الشمالية والصحراوية، قطعة منتخبة من كتاب نزهة المشتاق، للإدريسي، ص 62 - صورة الأرض، لابن حوقل، ص 90.

(3) الحشوية بسكون الشين أو فتحها، فرقة مبتدعة يرجع أصلها إلي السبائية، وهي فرقة عبد اللّه بن سبأ الذي كان يقول بتأليه علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه. يراجع: معجم الفرق والمذاهب الإسلامية، لإسماعيل العربي، ص 135.

(4) الموسوية فرقة مذهبية تقول بإمامة موسي الكاظم بن جعفر، أما الفرقة الإثني عشرية، فهي الفرقة الشيعية التي تقول بسلسلة تتكوّن من إثني عشر إماما، في مقابل الفرقة التي تقول بتسلسل سبعة أئمة فقط، وقد انقسمت هذه الفرقة علي نفسها بعد الإمام الحسن العسكري إلي عدة فرق بلغت إحدي عشرة فرقة، ينظر نفس المرجع، ص 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت