وأما باقي علوم اللسان كالنحو والمنطق والأصول والبيان والبلاغة والقافية، فالكتب المدونة فيها - مع كثرة فوائدها - أشد تقصيرا من كتب اللغة لفهم القرآن.
أما النحو فيحتاج إلي زيادات، بل ليس من شأنه إلا تأسيس أصول كلام وسيط بين السقط والرفيع، فلا ينبغي للمفسر أن يبالغ في تطبيق كلام اللّه علي أصول النحو، فيرممه ويؤوله فيظن أنه جائر عن قصد السبيل. بل عليه أن يأتي بشهادة من أشعار العرب ليعلم الجاحد أنه لهو الأسلوب الأعلي» - و قد ذكر الفراهي بعضا من هذه الإضافات في كتابه «أساليب القرآن» -.
وأما المنطق فمداره التدقيق في استعمال ألفاظ التحديد والنفي والاستثناء وسوق الدليل ....
وأما علم البيان فحاله كحال النحو لا يتصدي لكلام يتفجر من صدوع القلب الحي، وما أبعده مما يتصبب من سماء الوحي، فتري صاحب الوحي - بل كل داع إلي الحق - ينفث ما في قلبه كيف ما دعته الحالات، فطورا يأتي بالمجاز، وطورا بالحقيقة، ولا يراعي إلا فهم المخاطبين والعادة الجارية في لسانه ... فيفهمه المخاطب. ولكن الذي يجمد علي علم البيان فإنه يدب كالنمل، ويخبط كالأعمي، ومن رأي الزبور وكتب الأنبياء السابقة علم أن المجاز له مجال وسيع في الوحي».
-و قد وضح الفراهي كثيرا مما أراده في علم البيان في كتابه الذي خصصه لذلك وهو «جمهرة البلاغة» -.
وأما الأصول فلا نجحد فضل من أسس هذا الفن، فإنهم لم يأخذوه من اليونان ولا من الهند، ولا من غير هما، بل دعت الحاجة إلي وضع أصول لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة فهم قدوة في هذا الفن الشريف، ولكن الخلف لم يهتدوا إلي تهذيبه وإصلاحه ... فتري فيه اختلافا كثيرا ينجر إلي اختلاف الأحكام، وليس الأمر كذلك في النحو والمنطق وغير هما من الفتون ....