فإن جعلت القرآن أصلا لتمام علم الدين - كما هو في الحقيقة - صار من الواجب أن يؤسس أصول التأويل بحيث تكون علما عاما لكل ما يؤخذ من القرآن» 1.
القرآن وعلوم اللسان:
وكما كانت للفراهي نظراته النقدية في بناء العلوم الشرعية، كذلك كانت له نظراته في علوم اللسان. وفي ذلك يقول: كما أن اللّه تعالي وعد بحفظ متن القرآن حيث قال:
إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا لحافظون
[الحجر:9] ، فكذلك وعد ببيانه حيث قال:
ثمّ إنّ علينا بيانه
[القيامة:19] .و من بعض إنجاز وعده حفظ اللسان العربي من الاندراس والمحو وجعله حيا باقيا. وكذلك حفظ الاصطلاحات الشرعية كـ «الصلاة» و «الزكاة» و «الجهاد» و «الصوم» و «الحج» و «المسجد الحرام» و «الصفا» و «المروة» و «مناسك الحج» وأمثالها، وما يتعلق بها من الأعمال المتواترة المتوارثة المأثورة من السلف إلي الخلف والاختلاف اليسير فيها لا اعتبار له ....
فإذا نظرت إلي ألفاظ مصطلحة في الشرع، ولا تجد حدها وتصويرها في القرآن، فلا تجمد علي أخبار الآحاد فتسقط في الريب .. بل اقنع بالقدر الذي اجتمعت عليه الأمة، ولا تؤاخذ إخواتك فيما ليس فيه نص صريح، ولا عمل مأثور، من غير خلاف، فهذا هو السبيل الوسيع والمعني الواضح من القرآن في اصطلاحاته الشرعية.
-فأما في سائر الألفاظ وأساليب حقيقتها ومجازها فالأصل فيه كلام العرب القديم، والقرآن نفسه. وأما كتب اللغة فمقصرة، فإنها كثيرا ما لا تأتي بحد تام، ولا تميز بين العربي القح والمولّد، ولا تهذيب إلي جرثومة المعني، فلا يدري ما الأصل وما الفرع؟ وما الحقيقة وما المجاز؟
فمن لم يتمرس بكلام العرب، واقتصر علي كتب اللغة، ربما لم يهتد لفهم بعض المعاني من كتاب اللّه تعالي ....
(1) التكميل في أصول التأويل للفراهي:3 - 4.