الصفحة 23 من 378

ولهذه الثلاث نشأت ثلاثة علوم: علم الأخلاق والمواعظ، وعلم الكلام، وعلم الفقه ...

ولما كان القرآن مصدر هذه العلوم، كان لا بد لأصول تأويله أن تكون شاملة لكل هذه العلوم، ولكن ما حدث هو أن جعل علم التأويل مقصورا علي الفقه، وهو ما عرف بعلم «أصول الفقه» ، و من ثم أصبح علم الأخلاق وعلم الكلام بعيدين عنه فلا نجده مستعملا فيهما.

أما علم الأخلاق فاتّسع بأهله حتي تشبثوا بكل ما راقهم وأعجبهم، فمنهم من بناه علي الحكمة العملية التي تلقوها من الفلاسفة، ومنهم من اعتمد علي تجاربه، ومنهم من بناه علي الروايات الضعيفية، وربما أخذوا من القرآن حسب تأويلاتهم الركيكة، وذلك لظنهم بأنه لا حاجة إلي صحة الاستدلال في الترغيب والترهيب، ومدح الحسن، وذمّ القبيح.

ومنهم طائفة من المتصوفة تكلموا في العقائد، يؤولون القرآن إلي ظنونهم، لجهلهم بالعربية، وبحقيقة هذا الدين، ويزعمون أنهم أعرف بالقرآن وأسراره، وتجد أمثلة ذلك في كلام ابن عربي 1.

وأما علم الكلام فأصحابه لاشتغالهم بالملاحدة قلّ اعتمادهم علي النقل، وكان معظم احتجاجهم بما تجنح إليه العقول لكي يسلم لهم الخصم، وربما يؤولون القرآن إلي غير مراده فرارا من اعتراضات المعاند؛ إذ لم يهتدوا لصحيح التأويل وتوفيق المنقول.

فجعلوا للتأويل - لا نقول أبوابا بل ثلما - يخرجون من حين لا يمكنهم الدفاع علي وجه مستقيم، حتي قال بعضهم 2 - كالرازي عفا اللّه عنه:إنه لا اعتماد علي ظاهر القرآن لعلّه يكون من المتشابهات. فجعل القرآن كله ملتبسا، ولم يكن ذلك إلا لعدم تأسيس أصول التأويل العامة التي يعتمد عليها في كل ما يستنبط من القرآن، سواء كان من فروع الشرائع، أو الأخلاق، والعقائد.

(1) الأولي أن يقال: في الكلام المنسوب إلي ابن عربي.

(2) أبهم الفراهي القائل، ولم يذكر موضع قول الرازي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت