إنني كنت في الجزائر سنة 1945 م في وقت المجاعة، عند ما كان آلاف الناس يموتون جوعا خلال سنة من الجفاف، وقد شاهدت القمع المروع الذي نتج عنه موت ستين ألف شخص، وشاهدت أطفالا عمرهم سنة واحدة يأكلون من التراب، كما شاهدت مائتي شخص يموتون من الملاريا في بضعة أيام بغرداية، فكيف لا نحصد الثورة؟ .. عند ما نكون قد زرعنا خلال هذه المدة الطويلة الحقد والإهانات والبؤس .. » 1.
والمحلل لهذه الشهادة الصادرة عن أحد الأطباء والمثقفين الفرنسيين، التي وصف فيها حالة بؤس المجتمع الجزائري الصحية والاجتماعية والمعيشية والأمنية .. بعد قرن وربع القرن من الاستذلال يتبين ما يلي:
1 -وضع الجزائريين المهني والمعيشي والصحي والتربوي والتعليمي .. في ظل الاستعمار.
2 -وضع الجزائريين المزري في ظل الهيمنة الاستعمارية وحالة البؤس التي آلوا إليها.
3 -وضعية الطفولة والأمومة وحقوق الإنسان في ظل ثورة المبادئ والقيم الفرنسية.
4 -كذب الطروحات الغربية القائلة بتمدين الشعب الجزائري الهمجي المتوحش.
5 -وضوح الروح الاستكبارية الكامنة في الفرد الأوربي عموما، وفي الفرد الفرنسي خصوصا.
ومع قساوة هذه الظروف وشدتها، فلم يتجنس من الجزائريين طيلة ثلاثة وثلاثين عاما [1919 - 1952 م] بالجنسية الفرنسية سوي (2500) ألفين وخمسمائة شخص فقط، بمعدل اثنين وسبعين شخصا في السنة تقريبا.
وفي ظل هذه الظروف الاستعمارية القاسية ولد ونشأ وتربي، وتعلم، وعمل، وكتب، ووعي ودعا وناضل المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي - يرحمه اللّه -.ناضل بفكره وقلمه نضالا مجزيا عن الأمة العربية والإسلامية، فلم تدفعه ظروف بلاده المزرية، ومحنة
(1) الحركة الوطنية الجزائرية (1930 - 1945 م) ، أبو القاسم سعد اللّه، ص 158.