شعبه القاسية في ظل الاحتلال الفرنسي لأن يفكر تفكيرا محليا ضيقا، بل استطاع أن يتجاوز محنة المحلية القاتلة بنظراته وخطراته وآفاق روحه وقلمه الفسيحة، متوجها لمعالجة أورام وآفات التخلف والأنهيار، التي اعترت الكيان الإسلامي المهزوم، ملقيا نظرة بيانية شاملة وعميقة ومؤشرة عن حضارة وفرد ومجتمع وأمة ما قبل عصر الموحدين الزاهرة، وما بعده الراكدة.
مالك بن نبي من مؤلفاته وهمومه الحضارية
إن الدارس المحلل لكتابات المفكر الإسلامي المرحوم مالك بن نبي يتبين بدقة وبوضوح الهدف النهضوي والحضاري الذي وقف حياته كلها عليه، والذي حاز علي بؤرة اهتمامه. فقد شغلت مشكلة التخلف وتفرعاتها ومظاهرها لفرد ومجتمع عصر ما بعد الموحدين جلّ كتاباته، فعكف يدرسها دراسة علمية مركزة، ويحللها تحليلا مخبريا دقيقا، بهدف معرفة عوامل وأسباب قيامها وبنائها وتأثيرها وانتشارها، ويدرس عوامل توقفها وجمودها وتراجعها، حتي آلت إلي حالة الانهيار المزرية الآفلة الراهنة.
لقد حمل المرحوم مالك بن نبي هموم وتيه الحضارة الإنسانية عموما، كما حمل هموم وتيه التخلف الحضاري لأمته الإسلامية المطمئنة في التراب. فكان يشخّص الأمراض، ثم يقدم أسبابها وعللها، دارسا تفرعاتها ومظاهرها وأوجهها المختلفة في العوالم الكونية الثلاثة التي كان ومازال يعيشها العالم الإسلامي، في عالم الأفكار، وفي عالم الأشخاص، وفي عالم الأشياء، محللا إياها بملاحظة الفيلسوف، وبأسلوب المتكلم، وبروحانية الصوفي، وبموضوعية العالم، وبمبضع الطبيب الجراح، وبعين الخبير الاجتماعي، وبتحليل الحكيم النفساني، وبوحي وتراث الداعية والمصلح الديني، وبمنظار البحاثة التاريخي، وبآفاقية الفلكي الجغرافي.
فكان أن شخّص - بدقة وعمق - للأمة الإسلامية كمّا هائلا من الأمراض لفرد ومجتمع عصر ما بعد الموحدين، لعل أهمها: [عقدة القابلية للاستعمار، العقلية التذريرية،