الصفحة 302 من 378

يستنشقه وبالماء الذي يشربه وبالطعام الذي يأكله، ولا غني لحياته عن هذه الضروريات، وكذلك الثقافة بالنسبة له. ومن هنا فإن سلوكات وتصرفات وردود أبناء المجتمع الواحد متشابهة، بالرغم من تباين مستوياتهم المادية والعلمية والاجتماعية والتعليمية واللغوية .. لأنهم تنسموا عبير نمط ثقافي وروحي متشابه، وشربوا من نسق اجتماعي متجانس ومتناسق، ومن ألوان وأزياء وحركات وأصوات وعادات وتقاليد ورموز وأشكال وصور .. صهرتهم جميعا في بوتقة الثقافة القومية. فهي: « .. المحيط الذي تتشكل فيه كل جزئية من جزئياتنا .. وهي تتمثل بوظيفة الدم في جسم الإنسان، فهو يتركب من الكريات الحمراء والبيضاء، وكلاهما يسبح في سائل واحد هو - البلازما - ليغذي الجسد، والثقافة هي ذلك الدم، الذي في جسم المجتمع، يغذي حضارته، ويحمل أفكار الصفوة، كما يحمل أفكار العامة والخاصة. وكل هذه الأفكار منسجم في سائل واحد من الاستعدادات المتشابهة والاتجاهات الموحدة والأذواق المناسبة .. » 1.

فالثقافة إذن هي: المحيط الفكري والنفسي والاجتماعي والأخلاقي والتربوي والروحي .. الذي يحتضن الوجود الإنساني في المجتمع، ويدعمه بالخبرة المعرفية والسلوكية والأخلاقية والجمالية .. وفي هذا المحيط تتشكل طباع، وشخصية، وذوق الفرد الثقافي، محكومة بالسنن النفسية والآفاقية. فالثقافة إذن: نظرية في المعرفة، ومنهج في السلوك، وطريقة في العمل والبناء2.

*أركان المنظومة الثقافية:

يتكون مصطلح الثقافة عند الأستاذ مالك بن نبي من المفردات الأربعة التالية:

1 -التوجيه الأخلاقي لتكوين نمط الصلات الاجتماعية الراشدة.

2 -التوجية الجمالي لتكوين الذوق العام السليم.

(1) مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، ص 78.

(2) موقع المسألة الثقافية من استراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت