وعليه فإن العادات والتقاليد الراجعية والممارسات البالية، والشخصيات الإقطاعية، وكل الأمراض الاجتماعية التي نجدها حاضرة بقوة في صميم العالم الإسلامي إنما هي ممثل حقيقي للأفكار الميتة، لأنها هي التي تجعل العالم الإسلامي خاضعا لعقده القابلية للاستعمار.
أما الأفكار القاتلة المميتة فهي الأفكار المستوردة من المدنيات الأخري، أو من كل فكرة فقدت عمق هويتها، ومقوماتها الثقافية، بعد ما فقدت جذورها1.
والمثقف الذي يحمل الأفكار الميتة تجعله أرضا خصبة لقبول الأفكار القاتلة أكثر من غيرها، وهكذا عقلية فرد ما بعد عصر الموحدين، فهي لا تري غير الأفكار التافهة الحقيرة، ولا تستورد غير التافهة أيضا، وتكون النتيجة الانحلال والانحراف والتحلل، وعليه فمالك يقرر عن وضعية أفكار فرد ما بعد عصر الموحدين قائلا: « .. فكذا مرقص، وكذا مقهي، وكذا كليةژ، و كذا برلمان - تحللا تاما .. فأوربا إذن تعطينا عناصر تحلل الأخلاق والمجتمع .. لأننا بأفكارنا الميتة لا نري أفكارها الحية المحيية .. » 2.
ولعل باب الاعتراف وإنصاف المفكر الأستاذ مالك بن نبي عن استشرافه الحلول لقضايا عصرنا الإشارة إلي مشروعه عن فكرة كومنويلث إسلامي.
*مشروع التعايش الثقافي في العالم الإسلامي:
يقترح الأستاذ مالك بن نبي مشروعا للتعايش الثقافي بين أجزاء العالم الإسلامي الممتد من محور جاكرتا - طنجا كخطي عرض، والجزائر - دار السلام كخطي طول، يسميه بالكومنويلث إسلامي، الذي لا يرمي إلي تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية للعالم الإسلامي، وإنما يسعي لتحقيق الوحدة الثقافية لها، ويقترح مركزا يتمحور حوله هذا الكومنويلث، بحيث يشكل له نقطة تمحور، ويضم الوحدات الثقافية الإسلامية التالية:
(1) مشكلة الأفكار، مالك بن نبي، ص 153.
(2) في مهب المعركة، مالك بن نبي، ص 133 و134.