المقدمة
هذا حديث في «الحمّام» ، بالمفهوم التراثي، أعني ذلك البيت العام الذي كان يقصده العامة والخاصة للنظافة وحفظ الصحة والمداواة.
هو إذن ليس حديثا في قضية حاضرة، شأنه في ذلك شأن الأنطاكي، لكن الرجل يستحق فهو علم في تاريخنا الطبي، وما تركه من مؤلفات يعد حلقة مهمة في تاريخ العلم العربي والإنساني. أما الحمّام فما معني الحديث عنه وقد أصبح شيئا من الماضي، وتحوّل إلي حجرة في كل منزل، ولم يعد هناك منشأة متكاملة، ذات بيوت وطقوس وغايات.
والجواب هو أولا أن الحديث في الحمام هو حديث في الأنطاكي، فقد ترك رسالة فيه، وهو من ثمّ حديث في حلقة من حلقات تاريخ العلم العربي، وهو ثانيا حديث يستبطن عديدا من النظرات الطبية، الوقائية والعلاجية، الجسدية والنفسية، التي نعلم أن بعضها قد تجاوزه العلم الحديث، لكن بعضها الآخر قد يجد فيه هذا العلم الحديث نفسه ما يستحق الوقوف عنده، أو البناء عليه، أو حتي مساءلته للإفادة من أخطائه أو طريقة معالجته للأمور. يخطئ خطأ فادحا من يظن أن الحاضر مهما عظم مستغن عن الماضي، تماما، كما يخطئ بالدرجة نفسها من يحسب أن الماضي يصلح للسكن فيه.
الحديث إذن في مرفق «الحمام» له ما يسوّغه. وهو - الضرورة - موصول برسالة الأنطاكي المخطوطة، والموسومة بـ «التحفة الكبرية في أحكام الاستحمام الكلية والجزئية» . وقد رأيتني مشدودا للحديث أولا في الحمّام في إطاره العام، لأن هذا المرفق كان - كما سيظهر - محطّ عناية المتقدمين والمتأخرين من علماء العرب والمسلمين، وإنما قلنا «علماء» بإطلاق، لأن من عنوا به كانوا أطباء وفقهاء وفلاسفة ومؤرخين وجغرافيين .. وأحسب أن أحدا من المحدثين لم يستنفر همته لدراسة هذا الموضوع، علي ثرائه، وتوزّعه، واشتباك