الصفحة 321 من 378

مقاربات تمهيدية

1 -المقاربة الأولي (نحو اللفظ) :

الحمّام (من: رحم) لفظ عربي أصيل، بل إنه سامي، فهو موجود في العبرية والآرامية، والسريانية والحبشيةو الأكدية1.و «حم» في هذه اللغات جميعا، بمعني «سخن» أو أصيب بالسخونة (الحمّي) .و علي الرغم من هذا الأصل الواحد المشترك، أو الدلالة المشتركة، فإن ابن فارس يري أن الحاء والميم (بوصفه أصلا أو جذرا) فيه - تفاوت علي حد تعبيره -، لأنه متشعب الأبواب جدا2، و قد نص من هذه الأبواب علي خمسة: الاسوداد، والحرارة، والدنوّو الحضور، وجنس من الصوت، والقصد. ويبدو لي أنه علي الرغم من هذه الأبواب الخمسة، وغيرها، مما لم ينصّ عليه، فإنها جميعا تفرعت من دلالة السخونة أو الحرارة، لكن تتبع حركة التفرع هذه صعبة للغاية، وذلك شأن اللغة، فهي تتأبّي علي القيود، وتتعاصي علي الضبط.

ولا أدلّ علي ذلك من أن (حم) هذه التي تدلّ أساسا علي السخونة - كما سلف - يمكن أن تدلّ علي البرودة، كأنها تدل علي الشي ء وضده في آن واحد، فهم يقولون: حمّ نفسه: اغتسل بالماء الحار، ويقولون أيضا: حمّ نفسه: اغتسل بالماء البارد3! ولعل هذا المعني الجديد (البرودة) قد تولد من أن الاغتسال عادة مرتبط بالماء الحار، فعبروا عن ذلك بـ «حم» ، ثم عبّروا باللفظ نفسه عن أي اغتسال بالماء حارا كان أو باردا. والخيوط التي تفرّعت منها الدلالات الأخري للمادة دقيقة، يصعب تحديدها، أو فصلها. وليس هذا موطن البحث ذلك. ألم أقل إن اللغة أبية مستعصية، وهي أكبر من صاحبها، وأصعب مراسا!.

(1) المعجم الكبير (5/ 721) «حمم» .

(2) المقاييس في اللغة، ابن فارس.

(3) المعجم الكبير (5/ 722) «حمم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت