علي أن هذه الغاية الموضوعية - علي أهميتها - لم تكن وحدها هي ثمرة توقفي عند هاتين الرسالتين، فإلي جانبها ظهرت لي فوائد أخري أردت أن أدرجها في هذا البحث، نظرا لأهميتها من ناحية، وطرافتها من ناحية أخري، وقد جعلتها بين قوسين، لأنها وإن تكن مفيدة فقد تكون خارجة عن إطار البحث.
أولي هذه الفوائد أني رأيت تقييدا أملاه الأنطاكي نفسه علي طرة غلاف مقالة القوصوني، وعلي الرغم من أن اسمه (الأنطاكي) لم يذكر صراحة فإن ثمة شواهد علي أنه هو، وهذا أولا نص التقييد:
«مؤلف هذا الكتاب هو صاحبنا وصديقنا الشيخ بدر الدين محمد بن محمد القوصوني الحنفي رئيس الحكماء في باب السلطان، ولد سنة عشرين وتسعمائة، وكان ذكيا حاذقا فاضلا كاملا مفننا، انتهت إليه رياسة الطب مع المشاركة التامة في غيره من العلوم، فائقا في الأدب والنظم والنشر، له فيهما اليد الطولي. اجتمعت به في مصر في رحلاتي إليها، وبيني بينه مراسلات وملاطفات، نظما ونثرا، ذكرت طرفا منها في تذكرتي. ثم طلبه السلطان سليمان بن سليم خان - سقي اللّه تعالي عهده صوب الرحمة والرضوان - فقدم عليه في عام خمس وخمسين وتسعمائه لأن يعالجه من النقرس، فظهر منه في علاجه اليد البيضاء، ولاطفه أحسن ملاطفة إلي أن اختص به جدا، وعزل لأجله هامون زاده اليهودي، وأبعده عن بابه، وولي الشيخ بدر الدين رئيس الحكماء، وعظمت مرتبته عند السلطان جدا، وصار لا يصبر عنه ساعة واحدة، ولا يتناول شيئا إلا بعد العرض عليه، ومع ذلك فكان بخيلا بجاهه جدا في عظمة كبيرة. واجتمعت به في رحلتي الثانية إلي إصطنبول، سنة خمس وستين وتسعمائه، فرأيته في عظمة كبيرة، ومع ذلك فجاءني عند قدومي، واستعظم الناس ذلك لعلوّ مقامه علي الوزراء فمن دونهم، و [أ] حسن إلي: وجابرني، وكان متضجرا من منصبه يود الخلاص منه، وسأل في الحج مرارا فلم يؤذن له، فلما توفي السلطان سليمان - رحمه اللّه تعالي - عظّمه السلطان سليم لتعظيم والده، وكان جليل القدر عليّ الشأن، له تذكرة لطيفة ورسائل، منها رسالة «الحمّام» ، و منها