لتمنع تطرق الهواء من خلالها - إلي القوصوني رادّا كلامه: «و أما قول البدر القوصوني تستر (يريد الجدران) باللبود ونحوها، فمما لا يستريب محصل في دفعه» ، و ليست هذه المرة الوحيدة التي يرد فيها اسم القوصوني في النزهة.
وفي موطن آخر في سياق كلامه عن ضرورة أن يكون الحمام كثير الضياء والنور، ينقل عن الأنطاكي الذي يسبق اسمه بـ «شيخنا» ، يقول رادّا كلامه أيضا: «و قول شيخنا داود الأنطاكي ينبغي كشفها (يريد الكوي) وقت الحر لفصل ما انعقد وتلطيفه في حيز المنع، لأن ذاك (يريد كشف الكوي) خلفه ضرر آخر، هو وصول البرد إلي من فيها، وذلك أضرّ بلا ريب، وإذا تعارض ضرران ينبغي دفع أقواهما» .
ولعل من مظاهر تأثر المناوي بالأنطاكي ذلك الشبه بين عنواني رسالتيهما، فالأنطاكي له «التحفة البكرية في أحكام الحمام الكلية والجزئية» والمناوي له «النزهة الزهية في أحكام الحمام الشرعية والطبية» وانظر إلي روح العنوانين، واتحاد القالب اللغوي والسجعة بينهما.
ومما يدعو للعجب أن لا يرد ذكر القوصوني في «التحفة» علي الرغم من علاقة الأنطاكي بالقوصوني، وصلته الوثيقة به واطلاعه علي مقالته!.
هذه الموازنات التي أجريناها لها دلالاتها التي يمكن رصدها في ما يلي:
-شغل «الحمام» في القرن العاشر ومطالع الحادي عشر عددا من العلماء الكبار.
-يبدو أن التأليف في الحمام أصبح تقليدا، فقد ألف فيه كل من القوصوني، والأنطاكي والمناوي، علما بأن الأنطاكي يعرف القوصوني، ويعرف أن له مقالة في الحمام، وأن المناوي تلمذ للأنطاكي، ويعرف أن له رسالة في الحمام.
-لم يقتصر الاشتغال بالحمام علي الأطباء، فإذا كان القوصوني والأنطاكي طبيبين، فإن المناوي ليس كذلك.
-أصبحت الأحكام الشرعية للحمام كتلته معرفية، تستحق أن تستقل بالتأليف، وإن كانت قد جمعت إلي الأحكام الطبية.