وللإنسان في أصل تركيبه الذاتي وصفان؛ روحاني وحيواني، وحيوانيته مساوية لسائر الحيوانات في أعراضها و [4/ب] آثارها من الميل إلي المطعوم والمشروب والمنكوح، والأخلاق البهيمية من الميل إلي الأذي والحرص والقوة الغضبية والسبعية وحب العاجل والإعراض عن الآجل، وغير ذلك.
وأما الصفة الروحانية فهي ما اختص 1بها من دون سائر الحيوانات من الفيض الإلهي الذي يتأتي باعتباره إدراك المدركات، وفهم المعلومات، والنظر في العواقب، والأستعداد لقبول خطاب الشرع، ومن آثارها وعوارضها ما يناقض الآثار الحيوانية كالحلم في مقابلة الغضب، والعلم في مقابلة الجهل، والأناة في مقابلة الحرص، والنظر في الآجل في مقابلة حب العاجل، وغير ذلك من الصفات الشريفة التي يطلق عليها من الأسماء والألفاظ ما يطلق علي الأوصاف الربانية، فأنه تعالي وصف نفسه بالعلم والحلم والغفران والتجاوز والكرم وغير ذلك.
فإذا ثبت هذا، فالاثنينية لازمة لأوصاف الإنسان الذاتية، إذ حد الإنسان الحيوان الناطق، فإذا وفّق لأن ثبت في قلبه حب اللّه تعالي، ويسعي بمقتضي ذلك في تنقية نفسه من الأخلاق الحيوانية، ومحو آثارها بالكلية، وتبديل كل صفه منها بصفة ربانية، مال إلي جانب الوحدة، وبمقدار ذلك يتنزّه عن الاثنينية؛ لأنه إذا بقي فيه آثار الحيوانية، وأمات نفسه عن الميل إلي اللذات الحيوانية ون الاتصاف بالصفات الدّنية، ظهرت الصفة الشريفة الحميدة والآثار الجميلة العواقب، وصارت تلك الصفة [5/أ] الخسيسة كالمعدومة، وكان قربه من الاتصاف بصفة الوحدة علي حسب ذلك، فيقرب من صفة الوحدة الخاصة بالباري ء تعالي، وهذا معني القرب المطلق في كتاب اللّه تعالي، وسنة نبيه صلي اللّه عليه وسلم.2
(1) في الأصل (لا يختص) ، و قد أثبتنا ما ورد في الحاشية.
(2) آخر الرسالة الموسوسة بكورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص.