الصفحة 83 من 378

المقدمة

نظرا للتشعب الهائل في نظرية التعليل عند الأشاعرة المتقدمين والمتأخرين، وكثرة أقوالهم ونصوصهم في الموضوع، وعسر فهم النظرية من غير الجمع بين أطرافها، ارتأيت البحث فيها قصد الخروج بنظرة موحدة شاملة لعلها تدفع التعارض والتناقض الموجود في النظرية، أو تبيّن علي الأقل طبيعته؛ الأمر الذي من شأنه أن يجيب علي الكثير من التساؤلات، ممّا قد يصلح النظرة القاصرة لمفهوم التعليل في هذه المدرسة لدي بعض الباحثين المعاصرين، لاسيما أني عثرت علي أقوالهم في كتب ومجلات معظمها غير موجه، أو غير ممحص لاقتصارها علي أقوال الأشاعرة جزئيا بمعزل عن سياق النصوص، وأرجو أن يحقق هذا البحث هدفه الممثل في الخروج بنظرة صحيحة في التعليل عند الأشاعرة تصل جزئياتها بكلياتها وتجمع بين أطرافها.

المسألة الأولي: تعليل الأحكام والأفعال:

أولا: تعليل الأحكام الشرعية: ذهب جمهور العلماء وعلي رأسهم الأشاعرة في بحوثهم الفقهية إلي أن الأحكام الشرعية معللة بالمصالح، والحكم، وذلك في مبحث «القياس» و «المناسبة» ، و صلاحيتها دليلا للعلّية1، جاء عن الغزالي والرازي والآمدي والبيضاوي وغيرهم: أن أحكام اللّه معللة2؛إلا أنهم اختلفوا في تعريف «العلة» ، و كان سبب الاختلاف هو تأثرهم بالمذاهب الكلامية ونقلها إلي أصول الفقه 3.

(1) البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي 5/ 123؛و إيثار الحق علي الخلق، ابن الوزير. ص 187؛ والاجتهاد المقاصدي، نور الدين الخادمي، ص 48و128 - 135؛و تعليل الأحكام الشرعية، محمد مصطفي شلبي، ص 121.

(2) المحصول من علم الأصول، الرازي، 2/ 391 - 397؛و الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، 3/ 316؛و المرجع السابق، لمحمد مصطفي شلبي، ص 135 - 158.

(3) مسالك العلة وقواعد الاستقراء عند الأصوليين وجون ستورات مل، محمود يعقوبي، ص 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت