ولا أريد الخوض في عرض الخلاف القائم بين الأشاعرة أنفسهم في مصطلح العلة علي أنها «الباعث» أو «المؤثر» أو «الموجب» أو «المعرّف» ؛لأن الكتب قديما وحديثا قد طفحت بها حتي لا يطول المقام بي ويصرفني عن الغرض من هذا المقال، حسبي من كل ذلك أن أعطي خلاصة ما رست عليه مدرسة الأشاعرة فيما تعلق بهذه المصطلحات فأقول: إن العلماء قديما وحديثا قد كفونا مؤنة درء التعارض الموجود بين هذه المصطلحات وأبانوا أن الخلاف فيها - بعد طول نقاش - عائد إلي اللفظ لا غير.
قال الشيرازي: «و الخلاف في هذه المسألة لا يعود إلي فائدة وإنما هو اختلاف في الأسم، لكن من قال: إنها ليست بعلة إن أراد بها أنها ليست بعلة توجب الحكم الآن لم يصح؛ وإن قال: لم تكن توجب الحكم قبل الشرع، فهو مسلّم، فلا يكاد هذا الخلاف يثبت حكما» 1.
ونحوه جاء عن الأسنوي حيث قال: «و إذا رجعت إلي ما استدل به كل فريق تجد أن الخلاف لفظي فإن من قال إنها معرّفات أراد أنها ليست مؤثرة بذاتها ولا لصفة ذاتية لها بل المؤثر هو اللّه تعالي، فلا ينافي أنها مؤثرة بجعل اللّه إباها كذلك، و أن اللّه جعلها حكمة لحكمه، ومناطا له وغاية تترتب عليه، فهو ينفي أيضا أنها باعثة علي الحكم تحمل الفاعل علي الفعل فيتأثر، وينفعل بها فيفعل الفعل والذين قالوا: إنها باعثة عرفوها بالباعث علي سبيل الإيجاب، أي ما يكون باعثا للشارع علي شرع الحكم، والمراد بها الحكمة المقصودة للشارع. ومن قال إنها مؤثرة أراد أن اللّه تعالي حكم بوجوب ذلك الأثر بذلك الأمر، فالكل متفقون علي أن المؤثر هو اللّه وحده دون العلل والأسباب، وعلي أن العلل ليست باعثة بمعني أن الفاعل يتأثر بها وينفعل، وعلي أن اللّه تعالي حكم بوجوب ذلك الأثر بذلك الأمر وناط هذا بذاك فكان الخلاف لفظيا كما قلنا» 2.
(1) الوصول إلي مسائل الأصول، الشيرازي، 2/ 267.
(2) نهاية السول، الأسنوي، 1/ 91.