الصفحة 85 من 378

فنحن نري أن الأسنوي شارح المنهاج للبيضاوي أحد السائرين في فلك الرازي لما وقف علي حقيقة مراد الأشاعرة القائلين بالمعرف وهم: «الرازي والبيضاوي وأضربهما» . واستوعب من جهة أخري مراد القائلين بالمؤثر أو الباعث أو الموجب وهم: «الغزالي والآمدي وابن الحاجب ... » .و لم يتعصب فوضّح المسألة وكشف بكل جلاء أن الخلاف لفظي، والكل متفق علي أن الباعث والمؤثر هو اللّه لا ذات تلك الأوصاف هروبا من العلل الغائية المؤثرة بذاتها، وبيّن أن الذين عرفوا العلة بالمعرّف لم ينفوا بقية المصطلحات في العلة بهذا المفهوم؛ وإنما نفوا ما أثر أو بعث بذاته، فآل النقاش إلي وفاق سلّم فيه كل فريق بمصطلح الآخر.

كمّا أكد الكمال ابن الهمام وشارحه - و هما من الحنفية - أن الخلاف لفظي أيضا حيث قال الشارح: «و الأقرب إلي التحقيق أن الخلاف لفظي، مبني علي معني الغرض، فمن فسره بالمنفعة العائدة إلي الفاعل، قال: لا تعلل، ولا ينبغي أن ينازع في هذا. ومن فسره بالعائدة إلي العباد قال: تعلل، وكذلك لا ينبغي أن يتنازع فيه» 1.

فأمير باده شاه وإمامه بيّنا أن الخلاف لم يخرج عن المصطلح، والأهم في كلاميها بيان محل النزاع وهو تفسير الغرض، فمن أعاده علي الفاعل منع التعليل لأن اللّه لا غرض له تعالي علوا كبيرا، ومن أعاده علي المكلف قال تعلل، ولا يلزم أحدهما الإنكار علي الآخر؛ بل إن كلا التفسيرين مراد للآخر، فوضح الأمر وزال الخلاف، وقال ابن السبكي: «و ما زال الشيخ الإمام - والدي رحمه اللّه - يستكشل الجمع بين كلاميها [بين النفاة والمثبتين] إلي أن جاء ببديع من القول، فقال: « ... ولا تنافض بين الكلامين لأن المراد أن العلة باعثة علي فعل المكلف» 2كما أكد الزركشي أن الخلاف قام علي مصطلح «الغرض» ، و لما تبين المراد منه هدأ النزاع وآل إلي اللفظ لا غير3خصوصا أن مراد الغزالي بالمؤثر قد شرحه

(1) التحرير، الكمال بن الهمام مع تيسير التحرير لأمير باده شاه، 3/ 304 - 305.

(2) الإبهاج بشرح المنهاج، ابن السبكي، 3/ 41.

(3) البحر المحيط في أصول الفقه، الزكشي، 5/ 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت