العلماء بما يدرأ احتمال الغرض، فقد بين العطار في حاشيته أن مراد الغزالي: «أن تأثير العلة في الحكم تأثير وتعلق عادي باعتبار التعلق التنجيزي، وبهذا يرجع كلامه إلي كلام الجمهور الذين يرون أن لا باعث ولا مؤثر علي اللّه لأن اللّه قديم يمتنع التأثير فيه» 1.و قال الفتوحي من الحنابلة: «و ليس عند أهل السنة شي ء من العالم مؤثر في شي ء، بل كل موجود فيه وهو بخلق اللّه سبحانه وإرادته» 2.
إلي غير ذلك من الأقوال التي تناقلها العلماء المصرحة بأن الخلاف الذي ثار بين العلماء قديما في تلك المصطلحات راجع إلي المسمي لا غير. وسبق أن رأينا من قبل أن الأشاعرة أنفسهم وغيرهم أفصحوا وصرحوا بتقارب تلك المدلولات ولا إشكال أو تعارض بينها. لذا نقل عنهم آخرا أنهم فسروا العلة بالمعرّف، قال الرازي: «و أما أصحابنا فإنهم يفسرونه بالمعرف» 3.و أكده ابن السبكي 4و الزركشي 5، كما أنهم لم يتحاشوا التصريح بالمؤثر كما فعل البيضاوي أحد القائلين «بالمعرّف» ؛حيث ذكر أن الأسباب مؤثرة بجعل الشارع، وأنه رأي الاشاعرة، ومقتضي كلام الرازي والغزالي وأغلب الشافعية6فهاهو البيضاوي أحد أتباع الرازي والقائل بالمعرف لم يتخرج من التصريح بالمؤثر لما فهم أن المؤثر بجعل الشارع، وأكثر منه صرح أن القول بالمؤثر هو مقتضي كلام الرازي المدافع طويلا عن المعرف.
بل أضيف وأقول: إن الرازي قد ثبت عنه أنه أرجع الباعث إلي فعل المكلف وسلم بمصطلحات غيره وهو الأمر الذي اختاره في آخر عمره 7فإذا ثبت أن الرازي قد تراجع
(1) حاشية علي شرح المحلي، للعطار، 2/ 274.
(2) شرح الكوكب المنير، الفتوحي، 4/ 40.
(3) المحصول، الرازي، 5/ 135.
(4) جمع الجوامع، الموجود مع حاشية العطار، 2/ 274.
(5) تشنيف المسامع بجمع الجوامع، الزركشي، 2/ 49.
(6) منهاج الوصول، البيضاوي، الموجود مع نهاية السول للأسنوي، 1/ 90.
(7) أصول الفقه، ابن مفلح، 1/ 470.