-ثم إن الريسوني نفسه قد نقل عن الرازي موقفين مختلفين في التعليل أحدهما: إنكاره التعليل بالمصالح والمفاسد لعدم انضباطها؛ لذا يقع التعليل بالعلامات التي تكون متلازمة غالبا مع المصلحة.
والثاني: ميله في المحصول إلي جوازه، قال الريسوني: «علي أن الرازي الذي اختار في «المناظرات» منع التعليل المباشر بالمصلحة والمفسدة - اثناء عملية القياس - قد مال إليه في المحصول» 1.
وهذا النقل يؤيد ما قلناه أولا، وأضيف أن الرازي رجع في المحصول إلي القول بالمناسبة، ولكن قرنها بما يفيد نفي التأثير حيث ذكر أن المناسبة تفيد ظن العلّية، وأن معناها راجع إلي ما جرت عادته واطردت أن تكرار الشي ء مرارا يقتضي ظنّ أنه متي حصل لا يحصل إلا علي ذلك الوجه، فالأحكام والمصالح مقترنان لا ينفك أحدهما عن الآخر، وكان العلم بحصول هذا مقتضيا ظن حصول الآخر وبالعكس، من غير أن يكون أحدهما مؤثرا في الآخر أو داعيا إليه 2.
وقال الرزاي: «فثبت أن المناسبة دليل العلية مع القطع بأن أحكام اللّه - تعالي - لا تعلل بالأغراض» 3.و قال في التعليل بالحكمة: «إن استقراء الشريعة يدل علي أن الأحكام معللة بالأوصاف، لا بالحكم» 4.
فالرازي بهذا ينفي تأثير العلة في الحكم، لأنه يري أنها أوصاف ووسائط جاز التعليل بها لما اشتملته من مصالح وحكم التي هي في الحقيقة المؤثر، ولكن لعسر انضباطها لا يعلل بها.
(1) نظرية المقاصد عند الشاطبي، الريسوني. ص 213، 214.
(2) المحصول في علم الأصول، الرازي.5/ 179.
(3) المرجع نفسه.
(4) المراجع السابق، 5/ 290.