أستشهد بأقوال العلماء والرازي نفسه قد صرح بنفي تعليل الأفعال ثم أقر تعليل الأحكام، فلما أراد أن يعبر عن تعليل الأحكام بما لا يتناقض مع موقفه الكلامي اختار لفظ المعرّف للدلالة علي العلة فلم يكن موفقا في نظر بعض الأشاعرة بعده بما فيهم الشاطبي في التعبير عن تعليل الأحكام لأن مصطلح المعرّف غير كاف للإعراق عن موقفه المثبت، فوجّه الشاطبي له اللوم اللطيف فيما تعلق بالمصطلح لا علي أساس أنه ناف للتعليل. ولو لم تكن الأحكام علي علاقة بالأفعال لما نجم عن موقف الرازي أدني إشكال، ولكن كون الأحكام فرعا عن الأفعال لا يصح إثبات الحكمة في الأحكام، ثم نفيها في الأفعال، فإثبات أحدهما يستدعي إثبات الآخر، ونفي أحدهما يلزم منه نفي الآخر لما بينهما من تلازم، ومن هنا ينتج التناقض في موقف كل من نفي أحد التعليلين.
فالشاطبي قد فهم مقصد الرازي ومبتغاه من التعليل لذا قال: «فلما اضطر الرازي» ولم ينسبه للنفي أو للاضطراب حقيقة، وهو الأوفق، وأشار إلي موضع الالتباس وهو أخضاع العلة لمصطلح العلامة والمعرف هروبا من الوقوع في التناقض مع موقفه في علم الكلام فوقع في ما أشبه نفي تعليل الأحكام، لأن العلامة لا معني لها إذا لم تؤثر في الحكم، ثم لامه من جهة ثانية علي ترك تعليل الأفعال، لأن من يعلل الأحكام يلزمه تعليل الأفعال وإلا وقع في لبس وحرج.
فمسألة نفي تعليل الأفعال قد ثبتت عن الرازي حيث قال في «المحصل» : «قلنا سنقيم الدلالة علي أن أفعال اللّه تعالي لا يجوز تعليلها بالمصالح» 1و هو الأمر الذي أوقعه ومن تبعه فيما أشبه التناقض لما أراد أن يعلل الأحكام. فإن قال الريسوني: هذه أقوال للعلماء تدل علي نفي الرازي لتعليل الأفعال تبعا للسادة الأشاعرة، نقول:
-الثابت كما سبق أن الأشاعرة لم يروموا نفي التعليل في الأفعال، إنما فروا مما يوهم الغرض، ناهيك عن تصريح الكثير منهم بتعليل الأفعال كما مر من قبل.
(1) المحصل في أفكار المتقدمين والمتأخرين، الرازي، ص 389.